عهد عيسى ودور خليفة
عهد عيسى ودور خليفة

كانت مقتضيات إدارة الدولة وتصريف شؤونها تتطلب تجاوز مرحلة الحداد حزنا على وفاة سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، صحيح، أن وفاة الراحل الكبير كانت مصابا جللا أليما، ترك غصة لاذعة، وحزنا عميقا في القلوب، ولكن هذه القلوب كانت تؤمن بان عدة الأيام تنتهي، وأعمار الرجال تنقضي، ويبقى الوطن كان يجب أن يبقى الوطن… وكان يجب أن تبقى البحرين وتنفض أحزانها، لتبدأ مرحلة جديدة، من مراحل البناء والعمل. ولتفتح صفحة جديدة ناصعة، من صفحات تاريخها المتجدد المجيد. هكذا كانت حال البحرين، عشية الخامس عشر من كانون أول/ ديسمبر عام 1691 م…. كانت الترتيبات قد أعدت ليكون اليوم التالي، يوم عز وفخار، من أيام البحرين العزيزة، وموعدا لمبايعة سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، حاكما جديدا للبحرين، وقائدا وأميرا لركب مسيرتها على طريق المستقبل المشرق.
ومع أول أنفاس صباح السادس عشر من كانون أول/ ديسمبر عام 1961 كانت البحرين أرضا، وشعبا ومؤسسات، قد استكملت استعدادها، وارتدت أبهى زينتها، لتستقبل هذا اليوم الأغر، وكان موعد اللقاء قصر القضيبية، الذي شيده المغفور له الشيخ سلمان بن حمد قبل حوالي سبع سنوات، واعده لاستقبال وإقامة كبار ضيوف البحرين، من الملوك والرؤساء والأمراء. والى هذا القصر توافد البحرينيون، من مختلف أنحاء البلاد لمبايعة حاكمهم الجديد، وإعلان ولائهم للخلف بعد السلف من آل خليفة البررة.
وفي الساعة التاسعة تماما، ضجت جنبات القصر بالهتاف والدعاء لسمو الشيخ عيسى، وشقيقه سمو الشيخ خليفة، فيما كان الموكب الأميري المهيب يدخل أبواب القصر، محفوفا بثلة من حرس الشرف على خيولهم العربية الأصيلة. كان القصر وردهاته وساحاته مزدحما بالمواطنين، كذلك كان ازدحام الأيدي التي تمتد للسلام على الشقيقين عيسى وخليفة. وهكذا وصل سمو الحاكم الجديد إلى منصة الاحتفال الرئيسة بصعوبة، فيما اخذ سمو الشيخ خليفة مقعدا متقدما في الصف الأول، وباشر من فوره إلقاء توجيهاته على المساعدين، للاطمئنان على اكتمال الاستعدادات. ثم جلس سموه في مقعده، ومن حوله كبار أفراد الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة والمسؤولين.
وزان الصمت الجليل على القاعة الفسيحة، فيما بدأ سمو الشيخ عيسى بن سلمان يوجه لمواطنيه وأخوته وأبنائه، أولى كلماته كحاكم لدولة البحرين، وهو الخطاب الذي أراده سموه عهدا ووثيقة حب وتفاهم بين الحاكم والشعب، وحدد به نهجه في الحاكم والرياسة، وأهدافه لرفعة البحرين وتقدم شعبها. وتحفظ الوثائق كلمات الخطاب المفعمة بالصدق والتفاؤل والتواضع، كما تحفظ الصدور انطباعات حميمة جليلة عن تلك اللحظات المباركة من تاريخ البحرين.
وكان مما قاله سموه: “إننا في هذه اللحظات، ونحن نتوجه إليكم بأول خطاب بعد تولينا حكم البلاد، نرى أن أول ما يجب البدء به، هو الإفصاح عما نحسه من شعور بالامتنان لكم، ولكافة أفراد شعبنا الوفي الكريم، على ما أظهره الجميع من مشاركة صادقة في مصابنا الأليم، كانت لنا أحسن عزاء وأجمل مواساة. ثم على ما اظهر الكل، أفرادا وجماعات، من استبشار وغبطة بمناسبة اضطلاعنا بمسؤولية الحكم، خلفا لعاهل البلاد الراحل، اسكنه الله فسيح جناته…” وأضاف سموه: “… ونحن بعد حمدنا الله على ذلك، نبدي أننا بعد الاتكال عليه، وطلب العون منه، سنسعى ما وسعنا السعي، لان يكون عهدنا، رخاء وصفاء، واستقرارا وازدهارا، لهذه البلاد العزيزة في شتى الميادين، ونود أن نوجز بعض الأهداف التي نسعى لتحقيقها بإذن الله، وأولها المحافظة على كيان هذا البلد العربي الأمين، ورفع شأنه وتثبيت دعائمه، والسير في حكمه بما يرضي الله، ويحفظ شرائعه، ومواصلة السعي في سياسة التطور، والسير الحثيث في شتى المجالات، التي وضع أسسها الفقيد الراحل، مع بذل الجهد لإيجاد المزيد من الموارد، والعوائد، بما يحقق الازدهار المأمول، ثم تثبيت وتدعيم الصلات التي تربطنا وأشقاءنا، دول وشعوب البلاد العربية، والآخرين من أصدقائنا وحلفائنا، بما يحقق التعاون المتكافئ، ويوفر للجميع الطمأنينة والرفاه…”.
وبعد أن وضع سموه شعبه الحبيب في صورة المرحلة، ومتطلبات تحقيق المستقبل، اختتم خطابه الكريم، بالقول: “… وستجدوننا كما كان عليه آباؤنا، وأجدادنا من قبل عونا لكم في السراء والضراء، وما توفيقنا بعد ذلك إلا بالله، عليه توكلنا، ومنه جل وعلا نستمد القوة ونستوحي السداد والتوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير…”.
وبعد أن أنهى سمو الشيخ عيسى إلقاء خطابه، بدأت مراسم المبايعة، ورفع التهاني إلى سموه، وسمو الشيخ خليفة. ووقف الحضور صفوفا متراصة، يتقدمهم سمو الشيخ عبد الله بن عيسى آل خليفة “كبير السن في العائلة الحاكمة”. كانت أطياف الفرح والاستبشار تمتزج بأطياف الذكرى في فضاءات الشيخ سلمان بن حمد قبل حوالي 91 عاما.
ولعل بعضهم عادت به الذكريات إلى ذلك اليوم، الذي وقف فيه المغفور له الشيخ سلمان بن حمد، يتقبل مبايعة المواطنين كحاكم للبحرين…

ولعل هؤلاء ربما ربطوا بين ذلك اليوم الذي مضى وهذا اليوم الحاضر، وبين الوالد الراحل والابن الواعد. أما سمو الشيخ خليفة بن سلمان، اقرب الناس إلى وجدان الحاكم الجديد، وشقيقه ورفيق دربه وعمره، فحين يصف انطباعاته ومشاعره عن تلك اللحظات، وهو يقف إلى جانب شقيقه لتلقي مبايعة المواطنين، فان سموه يعود بذكرياته إلى ما قبل ذلك اليوم بحوالي عشرين عاما، حين وقف إلى جانب شقيقه عيسى مثل هذا الموقف، هما يراقبان مراسم مبايعة والدهما في قصر الشيخ حمد كحاكم للبحرين.
وكيف أن جلال المناسبة والحدث ورهبة الموقف، لم يمنع عنهما الشعور بالفرح الغامر، وهما يتابعان كل القلوب والأيدي تمتد لتصافح والدهما العزيز. غير أن تلك الفرحة الطفولية غير المدركة لخطورة المسؤولية، سرعان ما غابت ليحل محلها إدراك جسامة المسؤولية، التي ألقيت على عاتق والدهما، الذي اختلى بهما ذات يوم، وفاتحهما على الرغم من صغر عمريهما بمشاعره التي راودته، وهو يرقبهما يقفان ببراءة في إحدى باحات القصر، وكيف لم يستطع أن يمنع إشفاقا مر في خاطره. وهو يرى ببصيرته ولده عيسى، يقف في مثل موقفه هو في يوم آت ليتقبل مبايعة المواطنين. وحكي لهما الوالد المشفق الحكيم، انه توجه إلى الله بالدعاء، أن يبقى على المحبة والتفاهم والمودة بين ولديه، وان يكون ولده خليفة خير سند ورفيق ومؤازر لشقيقه عيسى، ليتعاونا معا لما فيه خير ومصلحة البحرين وصالح شعبها.
ويحلو لسمو الشيخ خليفة دائما، أن يحكي عن تلك العلاقة العميقة الشفافة، التي ربطت بينه وبين شقيقه المغفور له بإذنه تعالى سمو الشيخ عيسى، وهو يفاخر دائما بتميز تلك العلاقة، وتفوقها حتى على أوثق علاقة بين أي شقيقين، ويقول سموه أن أمور الحياة والدسائس والمؤامرات التي تعرض لها الوالد والعائلة والبحرين بشكل عام، كانت دوما تزيدها متانة وقوة وشفافية، ويضيف سمو الشيخ خليفة: كان الوالد رحمه الله يرى أن دوام متانة هذه العلاقة، هو لصالح وخير البحرين ولا شك أن فراسته كانت حكيمة للغاية.

انقضى يوم المبايعة كما بدأ: عظيما جليلا مهيبا وعاد البحرينيون إلى بيوتهم، والأمل يراودهم ببدء مرحلة جديدة من العمل والبناء، في ظل راية الحاكم الجديد الحكيم. عاد البحرينيون إلى بيوتهم وهم يمنون النفوس بعهد مستقر، وأيام ناهضة بالعمل، والكفاح. وربما لم يخطر في نفوسهم، أن فئة قليلة: أوت إلى بيوتها لتحيك سلسلة من الإشاعات، والمؤامرات، تستهدف بها امن البلاد، والتعكير على الحاكم الجديد، والنيل منه ومن شقيقه سمو الشيخ خليفة.
مواجهة التحديات الأولى
يقول سمو الشيخ خليفة (كانت الأيام الأولى التي تلت رحيل الوالد الشيخ سلمان، وتولي سمو الشيخ عيسى مقاليد الحكم، أياما صعبة للغاية علينا (شقيقي المغفور له الشيخ عيسى وأنا) فقد شعرنا أن الرجل الذي كان عمادنا، وركننا المكين قد رحل، وان مدرسة الحكمة التي كانت تفتح أبوابها دائما لنا قد أغلقت إلى الأبد).
غير أن تكاتف المخلصين من أبناء البحرين، وأبناء العائلة الحاكمة، الذين التفوا حول الشقيقين المكلومين بوفاة والدهما، والحاملين لأمانة عزيزة ثقيلة، ومسؤولية عظيمة جسيمة، ساعد سمو الشيخ عيسى وسمو الشيخ خليفة على تجاوز تلك الصعاب، التي سريعا ما بدأت تظهر في درب مسيرة العهد الجديد، فقد كانت أخبار دسائس الفئة القليلة، الخارجة عن إطار الإخلاص للوطن والحاكم، تتوالى مسامع الشقيقين، فيشعران نحو أصحابها بالإشفاق، وبالرثاء لهذه النفوس المجبولة على الخبث والمرض، أكثر من الحقد عليها أو الرغبة في الانتقام منها. لقد اعتادت تلك الفئة بث الإشاعات بغية الفتنة، ولذا فقد انتهزت فرصة، حين باشرت نشر أقاويلها هنا وهناك عن صغر سن الشقيقين الشابين وعدم كفاءتهما لتولي مقاليد الحكم، بزعم أنهما لا يمتلكان الخبرة الكافية.
كان سمو الشيخ خليفة بمثابة الوزير الأول لشقيقه، وكان يدير أمور المشاورات والاجتماعات من مكتبه في المبنى الذي يسميه أبناء البحرين “مبنى السكرتارية”، نسبة إلى منصب “سكرتير الحكومة”، وهو المنصب الذي كان يتولاه سابقا “المستشار”. وكان هذا المبنى في المنامة بالقرب من السفارة البريطانية اليوم، وهو يضم عددا من الإدارات الحكومية الرئيسة، وفي مقدمتها الإدارة المالية التي كان يرأسها سمو الشيخ خليفة نفسه، إلى جانب مسؤوليات عديدة أخرى أهمها رئاسة بلدية المنامة التي كانت في ذلك الوقت تضم معظم الإدارات التنفيذية للدولة، أي كانت بمثابة السلطة التنفيذية في البلاد. كذلك كان سموه رئيسا للجنة الإسكان، التي استطاعت بجهوده، وبتوجيهات سمو الأمير عيسى بن سلمان، أن تنجز نهضة عمرانية وتؤمن المساكن النموذجية لآلاف المواطنين.
والحقيقة أن تلك الفترة الحافلة بالعمل والتحديات وجهود المخلصين من أبناء الوطن ما تزال محفورة في وجدان سمو الشيخ خليفة…
بكل ما فيها من سهر وتعب وصعوبات بل وحتى دسائس، وبكل ذكرى عن من عمل مخلصا لجعلها مرحلة نهضوية واعدة. مثل السيد محمود العلوي رحمه الله الذي يعتبره سمو الشيخ خليفة رفيق دربه وشريكه في حمل مسؤوليات الإدارة المالية للدولة، وهي لإدارة التي انبثقت عنها معظم مشاريع نهضة البحرين الحديثة في تلك الفترة.
كان المغفور له سمو الشيخ عيسى بن سلمان يدرك ببعد نظره وثاقب بصيرته، أن أي تصرف انتقامي ضد أصحاب النفوس المريضة، الذين يشككون بقدرته وكفاءته وشقيقه، سينعكس على امن البلد واستقرارها، ووحدة شعبها وتماسكه.
ولذلك فقد اتفق الشقيقان على عدم الالتفات إلى تلك المقولات، واثقين أن حب أبناء الشعب وإخلاصهم لحاكم البلاد وشقيقه سيقف في وجه المشككين، ويرد كيدهم، وهذا ما حدث فعلا، إذ كانت المسيرة التنموية، تتسارع يوما بعد يوم، وهي في الواقع بدأت منذ الأيام الأولى لاستلام سمو الشيخ عيسى بن سلمان، مقاليد الحكم. فبدت وكأنما هي تكملة لمسيرة الخير التي كان شرعها سمو الشيخ سلمان رحمه الله.. فلقد انخرطت البلاد في ورشة من البناء والإنشاءات الضخمة، فتم افتتاح مطار البحرين الدولي في عام 1962 ، وفي عام 1962 تم افتتاح ميناء سلمان، و مبنى بلدية المنامة ، و أرسى سمو الشيخ عيسى طيب الله ثراه ، في ديسمبر 1963،حجر الأساس لمدينة عيسى السكنية، التي كانت جهود سمو الشيخ خليفة وراء فكرتها ، و قيامها ، على صورة نموذجية مدهشة.
أما على القرب من البحرين ، فقد حدثت متغيرات هامة ، في الجزيرة العربية ، والعالم العربي ، انعكست تأثيراتها سلباً . أو ايجاباً على البحرين ففي الكويت في عام 1961 ، و في اليمن جاْت سنة 1962حاملة معها انتهاء نظام الأئمة وقيام الجمهورية اليمنية، على يدي المشير عبد الله السلال. أما في السعودية، فقد شهد عام 1964 تخلي الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود، وكانت المملكة العربية السعودية في وضع مالي صعب، مع بداية تسلم الملك فيصل لسدة العرش ولم يكن العالم يدرك قوة هذا الرجل حيث كانت الظاهرة الناصرية هي المسيطرة على الأجواء العربية والعالمية. ومع مرور الأيام بدأ العالم يلتفت نحو هذه الشخصية السعودية الجديدة، خاصة بعد أن بدأت إيرادات المملكة العربية السعودية تتحسن بشكل سريع، وبعد أن بدأت تشهد نموا متسارعا، واداءا فذا، على مختلف المستويات، محليا وعالميا.
فارس جديد
كان أيضا ثمة فارس جديد، يعتلي صهوة المجد، التي ورثها كابرا عن كابر. ففي السابع والعشرين من حزيران/ يونيو عام 1964، كانت البحرين على موعد مع المرسوم الأميري الذي سمى فيه أمير البلاد، نجله البكر، سمو الشيخ حمد بن عيسى وليا للعهد.
يرى سمو الشيخ خليفة بن سلمان، وهو يسترجع ذكريات ذلك اليوم، الذي بايعت فيه البحرين، والعائلة الحاكمة بكر أميرها، إن سمو الشيخ حمد بن عيسى، كان مدركا منذ الطفولة المبكرة، للدور الذي ينتظره في مسيرة تاريخ البحرين، ويقول سموه: (كان الابن العزيز سمو الشيخ حمد، دقيق الملاحظة، كثير الأسئلة، تواقا دائما للمعرفة، ومواظبا على حضور مجالس والده، الأمير الراحل، قريبا ما وسعة الوقت والظرف، من حيث يصنع القرار، وتدار سياسة البلاد، وتصريف شؤون الإمارات والمواطنين، وكان سموه، قارئا نهما، وكثير الإطلاع، ومتابعا لمجريات الأمور على الساحتين المحلية والخارجية.
كانت أقدار البحرين، تتشكل في علم الغيب، أما في علم الحاضر، فقد كان ثمة من يعملون لجعل أقدار البحرين، زاهية، بهيجة، ويكرسون لها إمكانياتهم ومقدراتهم، وكان هناك من يضمر لهذا البلد وشعبه وتاريخه، غير ذلك، وستكون لنا وقفات، عديدة، مع هؤلاء اولئك .
في مستهل فترة الستينيات حيث بدايات العهد الجديد في البحرين، كان العالم العربي يمر في نفق مظلم من المفارقات والتناقضات السياسية، وكانت هناك تيارات سياسية وعقائدية دخيلة بمبادئها وتوجهاتها ومفاهيمها، على الشريعة الإسلامية، وعلى عادات وعرف العرب والمسلمين، وكانت هذه التيارات اليسارية، تسعى للتأثير على شعوب المنطقة وتثويرها، من اجل تغيير أنظمة الحكم في عدد من الدول العربية التي كانت توصف آنذاك “بالرجعية”، والتي شهدت تدخلات مباشرة، في شؤونها المحلية، من قبل أنظمة الحكم التي كانت تصف نفسها “بالثورية”، حتى صارت المظاهرات الغوغائية الشعبية، تكاد تكون خبرا يوميا في عدد من الدول العربية. فما تعمل دول أخرى عربية على تضخيم هذه المظاهرات، غير مهتمة بالدمار والتخريب الذي تحدثه لمقدرات تلك الشعوب وممتلكاتها وخيراتها وبناها التحتية، بل وأرواح أبنائها.
والحقيقة أن اشتداد زخم هذه التيارات ترافق مع صحوة قومية شمولية، شهدت فورانا للمد القومي العربي، في مصر، والجزائر وتونس وسوريا وغيرها، وقد كان ذلك سببا لاختلاط الأمور وامتزاج الغث بالسمين…
وكانت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، تتعرض في تلك الآونة إلى ما يمكن أن نسميه عملية “غسيل دماغ” انفعالية، شاركت فيها الأحزاب والتيارات الثورية اليسارية، مثل الشيوعية والماركسية واللينينية و البعثية جنبا إلى جنب مع بعض الإذاعات وأجهزة الإعلام العربية. وكانت هذه التنظيمات اليسارية تجتاز جهود الدول بسهولة ولين، إذ أن حامليها كانوا على الأغلب من أبناء تلك الدول الذين يدرسون في الخارج، وخاصة في الدول الاشتراكية والشيوعية إضافة إلى دول عربية مثل مصر ولبنان وسورية والعراق، ولم تسلم البحرين من هذه الحركات وتأثيرها السلبي على سير الحياة العامة ومسيرة البناء، وبالتالي فقد شكلت هذه التيارات وتحركاتها التي ترافقت مع بداية عهد سمو الشيخ عيسى بن سلمان وبدء النهضة الحديثة في البلاد، شكلت “مطبات” حاولت إعاقة وتيرة البناء والتنمية، وتعطيل المخططات الجادة لدفع مسيرة البلاد التنموية في مختلف المجالات وخاصة في المجال الاقتصادي، الذي كان يقود نهضته سمو الشيخ خليفة.
لقد ساهمت بعض المجموعات الطلابية من شباب البحرين الذين درسوا في الخارج والهيئات التعليمية الوافدة من دول عربية، بنشر أفكار وعقائديات التنظيمات الاشتراكية والشيوعية، بمختلف اتجاهاتها. وبدأت تتشكل في البحرين خلايا سرية، تدار من الخارج، وتعمل على نشر مفاهيمها وأفكارها بين أوساط الطبقة العاملة والمتوسطة. ويرى معاصرو تلك الفترة أن هذه التنظيمات لجأت في البداية إلى إظهار محبتها وولائها للأسرة الحاكمة، وتوافقها مع العقائد والمبادئ الإسلامية، وخاصة ما يتعلق منها بالشورى والمساواة، كما أبدت تعاطفا ملحوظا مع طموحات المواطنين التحررية، فأيدت بطروحاتها مطلبا شعبيا عاما، يسعى للخلاص من التسلط البريطاني. ولذلك فقد انخرط عدد من الشباب والمتحمسين في هذه الحركات والتيارات.
وأما في الخارج فقد تأثر بعض الذين يدرسون في بيروت إلى حد بعيد بحزب البعث الاشتراكي، حتى أن بعضهم أصبحوا أعضاء بارزين في الحزب خصوصا في نطاق الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانوا لسان الحزب الناقد لحكومة البحرين. بينما وجدت حركة القوميين العرب أنصارا متحمسين لها بين صفوف الطلبة البحرينيين في كل من القاهرة وبيروت، كما وجدت مجلة “الحرية” الناطقة باسم حركة القوميين العرب سوقا رائجة في البحرين في تلك الفترة. وسارعوا إلى كسب تأييد أصدقائهم والطلبة الأحدث سنا. ونجحوا بذلك في تكوين خلايا سرية لكل من الحركتين في البحرين خاصة في المحرق والمنامة، كما استطاع الشيوعيون أيضا كسب بعض الأنصار في البحرين وكانت بعض النوادي مثل “نادي الفجر” في المنامة و”نادي النور” مراكز للنشاط الشيوعي في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. وبالرغم من أن الشيوعيين كانوا اقل الحركات عددا، إلا أنهم كانوا الفئة الأكثر نشاطا داخل وخارج البحرين، حتى أن الحزب الشيوعي البحريني أرسل وفدا من منطقة الخليج لحضور مؤتمر الأحزاب الشيوعية العربية في بيروت في أيار/ مايو 1965، ومع ذلك فان هذه الحركات لم تكن لتجرؤ على بدء صراع مكشوف مع الحكومة، وذلك بسبب مراقبة الشرطة الشديدة لهذه الحركات والتيارات السياسية.
محاولات فاشلة
لقد أصبح تأثير حركة القومية العربية أمرا ملموسا في الاتجاهات السياسية في البلاد. وكانت بعض الحركات والتنظيمات السياسية تحذو حذو بعض البلدان العربية الأخرى وتربط نفسها بالحركات القومية هناك، كحركات البعث والقوميين العرب، إلا أن تأثيرها كان محدودا جدا، إذ لم تكن لها سياسة واضحة بالنسبة للأحداث السياسية في البحرين.
كما كانت هذه الحركات تقدم دعمها السياسي للبلدان العربية الأخرى من حين لآخر. لكن هذا التأييد كان ينطلق من دافع عاطفي لا من منطلق أيديولوجي. وللأسف الشديد فان هذه الحركات لم تفهم الأهداف الحقيقية من الوحدة العربية.
ولكنها كانت تعتقد أن تغيير النظام هو الهدف الأساسي من ذلك. لذلك لم تستطع أن تقدم أي عمل على المستوى المحلي في البحرين. ولا شك أن الأسباب الرئيسية وراء هذه الحركات والتنظيمات لم تكن معارضة الحكومة أو النظام في البلد ولكن تزايد النفوذ البريطاني في البحرين ودول بريطانيا على إدخال الإصلاحات البناءة والتطور في البلاد، كان له الدور الكبير في قيام هذه الحركات. غير أن هذه الحركات والتيارات سرعان ما انحرفت عن حقيقتها، وأبدت نوايا جديدة تجاه الحاكم، ثم تجاه الشرائع السماوية والعادات والأعراف العربية الأصيلة، وبدأ كثير من الذين انضموا إلى هذه الحركات يدركون أنها تخضع لأيد موجهة من الخارج، وأنها لا تكترث بشيء في سبيل تحقيق مآربها. ولذلك فقد انفض المخلصون منهم عن هذه الحركات والتيارات، وساهموا مساهمة فاعلة في كشفها للناس، وتوضيح غاياتها وأهدافها الحقيقية.
وجاء ذلك بموازاة وبفعل الجهود الحكومية المسؤولة التي كان سموه يجريها مع شقيقه سمو الشيخ خليفة بن سلمان نتيجة المشاورات المستمرة التي كان سموه يجريها مع شقيقه سمو الشيخ عيسى بن سلمان، ويقول سمو الشيخ خليفة:
“لقد كانت لدينا القناعة التامة بان هذه الحركات والتنظيمات تهدف إلى زرع الفتنة بين المواطنين وزعزعة الأمن والاستقرار في هذا الوطن، وزرع الأفكار الغريبة عن مجتمعاتنا وتقاليدنا الإسلامية العربية. ولقد بادرنا ومنذ البداية إلى إعلان موقفنا منها وفندنا طروحاتها بالحجج والبراهين، وكشفنا للناس حقيقتها. وها نحن اليوم وبعد مرور أكثر من خمسة وثلاثين عاما على محاربتنا تلك الأفكار والتنظيمات، نجد أنها سقطت وتكشفت أوراقها للناس والعالم، وبانت هشاشتها وضحالة أفكارها ومبادئها، بحيث لم تستطع الصمود حتى في الدول التي أسستها وقامت عليها وعملت على دعمها بالمال والرجال والسلاح. وللأسف الشديد -يتابع سموه- فقد خسرنا الكثير من الجهد والمال والوقت الذي لو كنا أنفقناه في العمل لصالح البلاد، لكانت ثماره تحققت مبكرا”.
لقد برزت حركات عديدة في المجتمع البحريني إبان تلك الفترة، مثل الشيوعية التي تعتبر من أقدم التنظيمات تواجدا في البحرين. وقد لاقت الشيوعية في بداية انتشارها بين الناس رواجا وترحيبا من فئات عديدة من الشعب، وساعد على تلك النجاحات المؤقتة الانتصارات التي حققها الثوار في منطقة ظفار بسلطنة عمان، إضافة إلى اثر حزب “توده” ودعمه الكبير للاتجاهات الشيوعية والماركسية الناشئة في البحرين.
أما الحركة الماركسية فقد بدأت بالظهور كحركة سرية خلال سنة 1955 وتعود جذور هذه الحركة في المنطقة إلى عام 1964، حيث كان حزب “توده” الماركسي الإيراني قد عقد اجتماعا كبيرا في العاشر من حزيران/ يونيو ذلك العام في نادي “أرني” بطهران، وكان المتحدث الرئيس في هذا الاجتماع المهندس كريم، الذي كشف عن تحريك خمسة أعضاء من الحزب في منطقة خوزستان لتصدير الفكر والمبادئ الماركسي التي يعتنقها حزب “توده” إلى البحرين، وأضاف المهندس كريم أن قيادة الحزب ستدعم هؤلاء الذين يشكلون طليعة البعثة الماركسية إلى البحرين باثنين من قياديي الحزب، إضافة إلى إرسال بعثات أخرى إلى الكويت.
وفي شباط/ فبراير عام 1948، أفادت مصادر المخابرات البريطانية في العراق، أن اثنين من أعضاء حزب “توده” الإيراني نجحا في الدخول إلى البحرين وهما: “السيد علي اكبر باقر زاده” و”السيد إسماعيل كاظمي” و كان دخولهما إلى البحرين عن طريق الحدود البحرية، وكانا ينقلان كمية من الحديد مرسلة من “السيد عبد الرسول توراني” إلى إيران، وبترتيب مع “الشيخ احمد يوسف البستكي”، وأشارت تقارير المخابرات البريطانية إلى أن “السيد كاظمي” أقام في البحرين ثلاثة أسابيع فقط، بينما تمكن “السيد باقر زاده” من المكوث لمدة خمسة أسابيع بكفالة “السيد توراني” ويعتقد أن علاقة السيد عبد الرسول توراني مع هؤلاء تجارية فقط وليس له علم بالسبب الرئيسي لدخولهم البحرين. وبالطبع فيمكن أن نتوقع إن هذين الشخصين كانا تحت الرقابة المباشرة من المخابرات البريطانية، إذ رصدتهما أثناء الدخول والإقامة، وهذا ما يعترف به المستشار البريطاني في تلك الآونة إذ يقول أن هذين المبعوثين من حزب “توده” لم ينجحا في إجراء الاتصالات المستهدفة داخل البحرين. وبالتالي فقد فشلت مهمتها التنظيمية، مما استدعى تجنيد آخرين في مهمات أخرى أكثر سرية وتنظيما.

وقد راجت في عام 1949 إشاعات عن تشكيل تنظيم بحريني لحزب “توده” الإيراني الماركسي، يهدف إلى قلب نظام حكم سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، وضم البحرين إلى إيران.. (!!) وعلى اثر ذلك بادرت الجهات المعنية إلى اعتقال “السيد باقر زاده فيما كان على ظهر سفينة في طريقها إلى البحرين. وفي أيار/ مايو عام 1950 ذكرت مصادر أمريكية في البحرين، أن سكرتير حزب توده الإيراني “السيد محمد رئيس” متواجد على الأرض البحرينية، وقد تم تسريب هذه المعلومة إلى المعتمد البريطاني الذي أمر بمتابعة القضية، وعلى أثرها تم اعتقال “محمد رئيس”، إلا انه ابرز وثيقة تؤكد أن اسمه هو “محمد ارجي”، وفيما بعد اعترف أثناء التحقيق معه انه تخلى عن استخدام اسم “محمد رئيس”، وبالنتيجة صدر قرار بإبعاده عن البحرين مع رفيق آخر.
لقد استطاعت الحركات والتنظيمات اليسارية والشيوعية، التغلغل وسط الطبقة المتوسطة والعاملة، ولا شك أنها أثرت في المشهد السياسي والشعبي العام، غير أن هذا التغيير ظل تحت السيطرة جراء الجهود الواعية التي بذلها سمو الشيخ خليفة بن سلمان، في وقوفه ومتابعته شخصيا لتحرك هذه التنظيمات الدخيلة، وتوجيهاته لأصحاب الرأي والمشورة، والوجهاء، والمثقفين، لمواجهة أصحاب هذه الدعوات، بالحجة والبرهان، غير أن هذه الحركات بدأت تنتهز الفرص، وتتصيد المناسبات لتعمل على إحداث الفتنة والمظاهرات في البلاد، وكان من ابرز هذه الأحداث الاضطرابات التي انفجرت في البحرين، عندما قامت شركة نفط البحرين “بابكو” على إنهاء عمل عدد كبير من عمال الشركة، ولهذه الأحداث قصة تستحق أن تروى.
ففي السابع من مارس عام 1965 قررت شركة نفط البحرين تسريح فوج كبير من العمال، فوجدتها الحركات الشيوعية والتنظيمات اليسارية فرصة مناسبة لإثارة القلاقل وسارعت بالإعلان عن إضراب عام يوم التاسع من مارس. ولتحريض المواطنين فقد تم نشر وإلقاء عدد كبير من المنشورات والنداءات تدعو للقيام بأعمال التظاهر والعنف، بزعم “مقاومة الاستعمار”!! والحقيقة أن الجهود الوطنية التي بادر إليها المخلصون من أبناء البحرين، حاولت منذ البداية الحيلولة دون قيام هذه التحركات، لعلمهم بأنها سوف تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، غير أن سيطرة التنظيمات على الغوغائية في الشوارع، كانت أقوى من تلك الجهود، خاصة وأنها تتلقى الدعم الكبير من جهات خارجية، إضافة للإمكانيات الإعلامية والخطابات والشعارات الثائرة التي كانت تصدر من عدد من الإذاعات العربية، إلى جانب التقارير الإخبارية المضللة، التي كانت تنشرها الصحف العربية التي تدعي القومية. وقد دفعت هذه الحادثة التجمعات السياسية في البحرين، كالبعثيين والقوميين العرب والشيوعيين وغيرهم، إلى توحيد صفوفهم لتشكيل تنظيم مشترك للعمل عرف في ذلك الوقت باسم “الجبهة الوطنية للقوى التقدمية”.
الذين خذلوا الوطن
لقد بدت اضطرابات مارس 1965 للكثير من المواطنين البحرينيين كأنها كابوس مخيف، إذ رأوا فيها ما يشير إلى عودة السنوات الصعبة التي عاشوها في منتصف الخمسينيات، وكانت الأشهر التالية لشهر مارس مليئة بالتوتر الشديد، وتنذر بالخطر وذلك بسبب العنف الذي اتسمت به الاضطرابات من تدمير وحرق للمنشآت العامة والخاصة.
ويسجل تاريخ البحرين لسمو الشيخ خليفة بن سلمان انه قاد بنفسه التحركات الوطنية والشعبية المناهضة لهذه التنظيمات، وكان يباشر شخصيا إجراء المشاورات والاجتماعات مع رجالات البلاد، إلى جانب مباشرة سموه لتحركات أخرى هدفت إلى التقليل من آثار الإضرابات، والأعمال التخريبية التي نفذها الغوغائيون، وقد لاقت هذه التحركات استحسانا وإكبارا من المواطنين الذين تعرضوا لخسائر فادحة في ممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم.
وللحقيقة، وحسب ما أكدته التداعيات اللاحقة فيما بعد، فان كثيرين من الذين شاركوا في الأعمال العدائية وانضموا إلى الحركات اليسارية، عادوا وتحرروا من هيمنة شعارات هذه التنظيمات، وأكدوا أنهم كانوا قد انضموا إلى تلك التيارات عداء للاستعمار، ومن اجل مواجهة التواجد الأجنبي في البحرين، وليس عداء أو كراهية لحكم سمو الشيخ عيسى والأسرة الحاكمة. بل ولقد اعترف هؤلاء فيما بعد بأنهم كانوا هدفا لمعلومات مغرضة ومضللة شاركت فيها أجهزة إعلامية عربية، مارست مع غيرها من المنابر الإعلامية التي تدعي التقدمية، عملية صب الزيت على نار الفتنة، بنشر الأخبار والتقارير المغرضة، والتي كان يتلقفها المتحمسون، فيخرجون للشوارع يعيثون فسادا بالأبنية والممتلكات، وعلى مدى ثلاثة أسابيع كاملة، كان المغفور له سمو الشيخ عيسى بن سلمان في تشاور مستمر مع شقيقه سمو الشيخ خليفة، حول أسلوب مواجهة هذه الحركات، التي أدرك الشقيقان أن منفذيها، لم يكونوا سوى أدوات في أيدي المخططين فعمل سموهما على عدم تصعيد الأمور، وممارسة سياسة ضبط النفس، حرصا على أرواح المواطنين ومقدرات البلاد.

وحين يعود سمو الشيخ خليفة بن سلمان بذاكرته إلى تلك الفترة، فانه دائما يشير إلى الوالد سمو الشيخ سلمان بن حمد، الذي كان الغائب الحاضر بالنسبة للشقيقين، إذ يقول سمو الشيخ خليفة بن سلمان انه خلال هذه الفترة الصعبة كان يستلهم حكمة الوالد الراحل، ويستعيد أسلوبه في مواجهة مثل هذه الأمور والتي كانت قد اجتاحت البحرين سابقا، وهكذا فقد نجح ارث الحكمة والبصيرة في تجاوز “المطبات” التي صنعتها الحركات والتنظيمات اليسارية، ونجحت توجيهات سمو أمير البلاد، وسياسة الشيخ خليفة، ومعالجته الذكية لتداعيات الأحداث في الإبقاء على تماسك الشعب ووحدته، وإعادة الاستقرار إلى البلاد في فترة قصيرة.
واثر انتهاء تلك الأحداث، أمر سمو الشيخ عيسى بن سلمان بتشكيل لجنة خاصة، حددت مهمتها بتهيئة البلاد لتجاوز تلك المرحلة الصعبة، وإجراء المشاورات مع مختلف القوى السياسية والشعبية ومساعدة المواطنين والمؤسسات المتضررة، وإعادة الحياة إلى سابق عهدها في البلاد، وقد ترأس اللجنة سمو الشيخ خليفة بن سلمان، فيما ضمت في عضويتها: الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، والشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة، والسيد صادق محمد البحارنة، والسيد راشد عبد الرحمن الزياني، والسيد محمود احمد العلوي، والسيد يوسف فخرو، وباشرت اللجنة على الفور أداء المهام الموكلة إليها. ونجحت جهود سمو الشيخ خليفة في إعادة الأمور إلى نصابها، وبدأ المواطنون يتذوقون طعم السكينة والاستقرار، فيما اتجهت طموحات وآمال سموه لإيصال البحرين إلى مرحلة من الرخاء من خلال برامج اقتصادية طموحة، تعيد للبلاد ما كان فاتها من فرص، كان يمكن أن تتوجه لتحقيق النمو والرخاء لاقتصادها وشعبها.
لقد اخذ الشيخ خليفة بن سلمان على عاتقه، دفع المسيرة الاقتصادية للبحرين. ومثل هذا المشروع الوطني الضخم لم يكن موجها فقط إلى النواحي الاقتصادية بمنظورها المالي، فثمة أهداف أخرى إلى جانب ذلك تتمثل في دفع المسيرة التعليمية، والاهتمام بالكوادر البشرية المتعلمة والمثقفة والخبيرة، إضافة إلى تكريس البنى التحتية الأساسية والتي لا بد لكل نهضة اقتصادية من الاعتماد عليها. هذا إلى جانب ركيزة أساسية، كان لا بد من تحقيقها، هي الأمن والاستقرار، والأنظمة والقوانين، وكان سمو الشيخ خليفة في هذه المرحلة المبكرة في حياته السياسية صاحب رؤية شمولية عظيمة وككل أصحاب الرؤى الشمولية، كان سموه يكتم معاناة شخصية، مما يجري في البحرين على أيدي أناس كان الواجب والوطنية يحتمان عليهم أن يبادروا لدعم بلادهم لا لخذلانه.
وفي هذا الصدد يقول سمو الشيخ خليفة: “إن أكثر ما كان يزعجني شخصيا، ويتسبب بمعاناتي المريرة، هم اؤلئك النفر من الميسورين وأصحاب رؤوس الأموال العريضة التي جنوها من خيرات البحرين. والذين كنت أتوقع وانتظر منهم أن يضعوا أنفسهم وأموالهم في خدمة الوطن ومستقبله وخيره واستقراره، ولكنهم كانوا أول من خذل الوطن حين بادروا إلى تحويل أموالهم الضخمة إلى الخارج، وبالتالي فقد بادرت شخصيا لوضع وتنفيذ خطة استثمارية طموحة ونهضوية. ولجأت إلى تأمين قروض مالية شخصية كبيرة من جهات مختلفة، ووضع خطة للاستثمار في البلد بدأتها أنا شخصيا. وهكذا نجحنا بتحرير البحرين من التبعية لأصحاب رؤوس الأموال أولئك، وبالتالي نجحنا في إنجاز مشروعنا النهضوي، بالاعتماد على أنفسنا”.













روابط اجتماعية