ادعاءات ايران بالبحرين ودور خليفة

عند البحث في قضية الخلاف الإيراني البحريني، لا بد لأي باحث من الرجوع إلى ما تفيض به ذاكرة سمو الشيخ خليفة بن سلمان، حول الأصول التاريخية. والجغرافية، والسياسية لهذا الخلاف… ولا بد من الرجوع إلى رؤية سموه لتداعيات هذه المسألة، والكيفية التي انتهت إليها، فسموه يعتبر المنظر المركزي للطريقة التي أدارت بها البحرين معالجة خلافها مع إيران، وهي الطريقة التي اعترف بذكائها الأعداء قبل الأصدقاء، واعترف بجدواها ونتائجها الباهرة، كل العالم. والحقيقة، ان خلافا مبدئيا بين دولتين، واحدة في أوج قوتها، والأخرى في بواكير نشأتها لن ينتهي لمصلحة الدولة الصغرى، بحسب ما حدث ويحدث على امتداد التاريخ. وبالتالي فيمكن ان نتصور الجهد، والقدرة والحكمة التي تحلى بها سمو الشيخ خليفة، وهو يعالج هذه المشكلة، التي انتهت باعتراف الدنيا بأسرها بحقوق البحرين وسيادتها واستقلالها. وكانت واحدة من ابرز واخطر التحديات التي واجهت الشقيقين: الشيخ عيسى، والشيخ خليفة.
تعود مسألة الخلاف الإيراني البحريني، إلى أكثر من مئة وخمسين عاما، كانت البحرين خلالها تسير على درب النهضة، وتتعرض لكثير من المعيقات والأطماع، والظروف الاسثنائية، فيما كانت إيران لا تكف عن الادعاء بحق لها في الأراضي البحرينية، وتعلن تهديداتها بين حين وأخر بضم البحرين، واعتبارها الإقليم الرابع عشر من الأقاليم الإيرانية.

وخلال فترة الحماية البريطانية، كانت إيران تتغاضى -مضطرة بعض الشيء- عن ادعاءاتها، وتهديداتها للبحرين. ولذا فقد سارعت إلى إطلاق ادعاءاتها وتهديداتها القديمة، فور إعلان الحكومة البريطانية عن مقرراتها بشأن إنهاء وجودها في المنطقة، فخلال هذه السنوات الطويلة من الادعاءات الإيرانية، تبعية البحرين، إلى أراضيها، ظلت الحكومات الإيرانية المتعاقبة، تغذي مخططاتها للاستيلاء على البحرين، بتشجيع الهجرة (الاستيطانية)إليها. للتأثير على الموازين الديموغرافية، فيها، وتشكيل أكثرية إيرانية مطلقة، تتمكن في النهاية، من تنفيذ الأحلام الإيرانية من الداخل، ورغم ان موجات الهجرة الإيرانية إلى البحرين شهدت تكثيفا، ملحوظا، منذ تولي الشاه محمد رضا بهلوي مقاليد الحكم في إيران، عام 1914، إلا ان هذه الموجات، لم تتوقف، تقريبا، منذ عام 1921.
وفي هذا الصدد، تقول المراجع التاريخية، ان حكم رضا خان، في عام 1921، ترافق مع اضطهاد سياسي وديني، دفع أفرادا وجماعات من الشعب الإيراني، إلى الفرار نحو بعض الدول المجاورة… فشكلت هذه الموجة، المرحلة الأولى، بين ثلاث مراحل رئيسية، مرت بها الهجرات الإيرانية إلى الخليج العربي، والبحرين بوجه خاص.

المرحلة الثانية، جاءت بعد اكتشاف النفط، حيث شهدت هذه المرحلة، موجات عديدة من المهاجرين الإيرانيين، الذين وصلوا البحرين، بحثا عن الرزق الوفير، ولقمة العيش، وهربا من الفقر.. وقد وصلت هذه الموجات، حدا لفت انتباه مؤسسة الحكم في البحرين، غير ان الحد من هذه الهجرات، لم يحدث عمليا، إلا عام 1937، عندما أمر حاكم البحرين، آنذاك سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة «2391 – 2491» بإصدار جوازات سفر بحرينية جديدة، والحد من الهجرات البشرية إلى البحرين. وقد نتج عن ذلك، ان توجهت موجات الهجرة البشرية الإيرانية، نحو دول خليجية أخرى، مثل دبي، قطر، والكويت.
أما المرحلة الثالثة، والأكثر خطورة، فقد بدأت، مع استلام محمد رضا، للسلطة، في طهران، من خلال مخطط كبير، يهدف لتكثيف الهجرة البشرية (الاستيطانية) إلى دول الخليج العربي، والى البحرين بصفة خاصة. وقد تزايدت هذه الهجرات، في الستينيات، بشكل ملحوظ، مع تزايد إنتاج النفط، في دول الخليج، والحاجة للمزيد من الأيدي العاملة، وبدأ تكثيف التواجد البشري على ارض الخليج العربي، بشكل ظاهرة خطيرة، تنبه إليها الحكام والمسئولون في الدول الخليجية، مما استدعى بحث القضية على مستوى الجامعة العربية، التي لمست خطورة هذه المخططات الإيرانية، وأدركت الدور الضاغط الذي يمارسه الشاه، وحكومات طهران المتعاقبة، بهذا الصدد… وتم عرض مشكلة الهجرة الإيرانية هذه على مجلس الجامعة، في دورته الحادية والأربعين، فأصدرت الجامعة، قرارا في 31 مارس عام 1964، جاء فيه: »إن المجلس قد بحث ببالغ الاهتمام موضوع الهجرة الأجنبية إلى إمارات الخليج العربية، وما تشكله من خطر على هذه المنطقة العربية، وعلى ذلك فقد أصدر المجلس مجموعة من التوصيات، هي:
أولا: ان تبادر أجهزة الإعلام في الجامعة والدول الأعضاء إلى التبصير بأخطار هذه الهجرة.
ثانيا: إيفاد بعثة من الجامعة العربية للاتفاق مع أمراء الخليج على تقييد الهجرة الأجنبية اتقاء لأخطارها المشتركة، وبحث وسائل توثيق الروابط الأخوية العربية مع إماراتهم.
ثالثا: إعادة بحث الموضوع في اقرب وقت ممكن على ضوء تقرير بعثة الجامعة ودراستها، وذلك لوضع خطة عربية مشتركة للتعاون مع هذه المنطقة في شتى الميادين، ودرء الأخطار الأجنبية عنها..
وعموما، فان ازدياد الهجرة الإيرانية، للبحرين كان يشكل خطورة واضحة، على التوازن السكاني فيها، وبسبب عدم وجود كثافة سكانية، أصلية فيها، فان سياسة الهجرة الإيرانية هذه كانت تهدف إلى تمكين إيران من بسط نفوذها، وتحقيق أهدافها التوسعية.
ولتحقيق هذه المخططات الجديدة، عملت الحكومة الإيرانية، على تقديم الدعم للمهاجرين، والمقيمين في البحرين، من الإيرانيين، وكان من ضمن اولويات هذه المخططات، تشكيل طبقة متنفذة، من التجار، وأصحاب رؤوس الأموال، يمكنها تأسيس قواعد شعبية عريضة، ومؤثرة في الشارع البحريني، وبنفس الوقت، فقد كانت إيران تبدي حرصا واضحا على إبقاء مهاجريها، بمعزل عن المجتمع البحريني العربي، وتؤكد على عدم دمجهم ضمن المجتمع ومرافقه المختلفة، وبهذا الخصوص، فقد أقام هؤلاء مدارس خاصة لأبنائهم، تعمل وفق المناهج الإيرانية، كما أقاموا أنديتهم الخاصة، التي كانت مهمتها خلق أجواء ثقافية واجتماعية، شبيهة بتلك الموجودة في إيران، إضافة إلى الإبقاء على العادات والتقاليد واللغة الفارسية، بما يحفظ لهم ولاءاتهم العرقية والقومية.
ولذلك، فليس من الصعب الالتقاء بعائلات إيرانية، في البحرين لا تزال تتحدث اللغة الفارسية، وان تحدثت العربية، فبشكل ركيك! ويمكن تقسيم الإيرانيين، الموجودين في البحرين في ذلك الوقت، إلى فئتين رئيستين، هما:
الفئة الأولى: الإيرانيون الذين اكتسبوا الجنسية، البحرينية، سابقا، وهؤلاء يتوزعون على ثلاث مجموعات، هي:
الأثرياء، وأصحاب رؤوس الأموال، وهؤلاء شكلوا طبقة مستقلة، تهدف إلى السيطرة على خيرات البلاد، واحتكار مصادر الدخل، والنفوذ، وكان لهؤلاء ارتباط وثيق مع السلطات في طهران.
الإيرانيون الذين سكنوا البحرين منذ مئات السنين، واندمجوا وتواصلوا مع إخوانهم البحرينيين العرب، فتكونت لديهم مشاعر وانتماءات اقرب إلى المشاعر والانتماءات العربية والبحرينية. الإيرانيون الذين لم يتخلوا عن قوميتهم الإيرانية.
الفئة الثانية: الإيرانيون الذين لم يكتسبوا الجنسية البحرينية، (المهاجرين..) ويتوزع هؤلاء على مجموعتين: ( أ -المهاجرون الذين كانت هجرتهم تلقائية، وبحثا عن الرزق، والحياة الآمنة.) ( ب – المهاجرون الذين نظمت هجرتهم السلطات الإيرانية، لإيجاد قوة شعبية، تتحالف مع طهران، داخل البحرين، وكان هؤلاء يشكلون خطورة كبرى.
ولقد كانت الجالية الإيرانية في البحرين، واحدة من اكبر الجاليات… وكان عدد كبير من أبنائها يشغلون، أدوارا اقتصادية واجتماعية وسياسية، واضحة في البلاد. غير ان عددا كبيرا من هؤلاء، كانوا يعتبرون البحرين مكانا لممارسة نشاطاتهم الاقتصادية، لا غير، اما انتماءاتهم فكانوا يوجهونها لإيران، ويعلنون تعاطفهم معها، قولا وعملا… فهم لم يكونوا يتورعون عن تعليق صور الشاه، في محلاتهم التجارية، وشركاتهم، وبيوتهم، كما ان عددا كبيرا من كبار أثريائهم كانوا يحرصون على إيداع أموالهم في البنوك الإيرانية، وعموما، فقد كانت العلاقات بين الجالية الإيرانية، والمواطنين البحرينيين، تأخذ طابعا سلبيا، وتشهد توترات بين الحين والأخر، وبنفس هذه الروح، كان الإيرانيون المقيمون في البحرين، ينظرون إلى الإنجليز، ويتخذون منهم موقفا سلبيا خاصة وإنهم كانوا يرون في بريطانيا، حائلا دون تحقيق المطامع التوسعية لإيران في الخليج.
وبعد ثورة مصدق، ونتيجة للمصاعب التي واجهتها بريطانيا، جراء تأميم حكومة الثورة للنفط الإيراني، عام 1950، ازدادت مظاهر التوتر، بين الإيرانيين والإنجليز، واستمرت الحال كذلك، إلى ان دخلت إيران في حلف بغداد، حيث طرأت على السياسة البريطانية في المنطقة، تغييرات، تكرست مع سقوط مصدق، واتجاه السياسة الإيرانية نحو الغرب.

وفي الواقع، فلم تكن بريطانيا، بمنأى، عن سياسة التهجير الإيرانية، في البحرين، ولا شك أنها لعبت دورا خفيا في هذا الاتجاه، الذي كانت ترى في نتائجه، عامل ضغط مضمون، تستخدمه عند الحاجة. وإذا كان الدور البريطاني، هذا، بدأ خفيا، في السابق، فقد انتقل إلى المباشرة، والعلنية، فيما بعد، وخاصة، مع ازدياد تيار القومية العربية، اثر نجاح ثورة يوليو في مصر، وظهور حركات المد القومي العربي، في المنطقة، وهكذا، بدأت بريطانيا، تشجع الهجرة الإيرانية، إلى منطقة الخليج، علنا.
كانت هذه إطلالة مختصرة، على المسار التاريخي، لقضية التواجد الإيراني، على الأراضي البحرينية، وهو التواجد، الذي كان يشكل مظهرا من مظاهر الأطماع الإيرانية بالبحرين، هذه الأطماع، التي قلنا أنها تحت منحى سافرا، بعد إعلان الحكومة البريطانية، عن نيتها، إنهاء تواجدها على الأراضي الخليجية، ومنها الأرض البحرينية.
ادعاءات إيران بالبحرين
تقول وقائع التاريخ أن إيران لم تقف عند حد المطالبة بضم البحرين إليها، وإنما كانت وراء تحريك بعض الاضطرابات في البحرين منذ بداية القرن الحالي. وعندما حدثت بعض المشكلات الداخلية في البحرين عام 9191، تعالت نداءات عديدة في إيران تطالب بتعيين ممثل للبحرين في البرلمان الإيراني، وإجراء الانتخابات فيها. والواقع إن السبب الحقيقي وراء هذه المشكلات التي حاولت إيران تصويرها على نحو يخدم ادعاءاتها، كان المطالب التي تقدم بها الأهالي لحاكم البحرين في ذلك الوقت الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بعدم تطبيق القوانين المدنية والجنائية التي وضعتها بريطانيا، وعدم وضع الجمارك تحت تصرف البريطانيين الذين اضروا كثيرا بمصالح التجار الوطنيين.
وتؤكد العديد من الدراسات والمراجع ذات الإسناد القوي، أن إيران كانت وراء الاضطرابات التي شهدتها البحرين عام 1922 حيث كانت تحرض بعض السكان من ذوي الأصول الإيرانية على إحداث هذه الاضطرابات. وقد استغلت الصحف الإيرانية هذه الفرصة، لإثارة الشعب والرأي العام الإيراني تجاه احتلال البحرين ووقوعها تحت السيطرة البريطانية.
وأخذت هذه الصحف تطالب بإقامة قنصلية إيرانية في البحرين، حتى تتمكن من الاتصال ببعض السكان من ذوي الأصول الإيرانية، بحجة الدفاع عن مصالحهم.
وتقول المراجع أن إيران لم تقنع بهذا، وإنما مارست كافة أشكال المضايقات مع رعايا البحرين القادمين إليها لزيارة الأماكن المقدسة، ففي شهر حزيران/ يونيو عام 2291 أرسلت القنصلية البريطانية في بندر عباس تقريرا إلى حكومتها، جاء فيه أن موظفي الجوازات الإيرانية في ميناء بندر لنجة قاموا بمصادرة جوازات السفر من رعايا البحرين القادمين لإيران لزيارة الأماكن المقدسة، وأعلنوا اعتبارهم من رعايا إيران.
وعلى اثر ذلك، قدم الوزير البريطاني احتجاجا لدى الحكومة الإيرانية في طهران على هذه التصرفات غير القانونية. وبالتالي، أصدرت حكومة طهران المركزية توجيهاتها إلى الجهات المختصة بعدم تكرار مثل هذه الأعمال مستقبلا.
ولكن الصحف الإيرانية هاجمت هذا القرار، وطالبت الحكومة الإيرانية باحتلال البحرين، مما اضطر حكومة طهران إلى إصدار أوامرها إلى موظفيها بمعاملة البحرينيين كرعايا تابعين لها.
وأرسلت عملاءها إلى البحرين لإجراء اتصالات بالإيرانيين المقيمين فيها، بغية إثارة الشغب والاضطرابات. وتركزت هذه الاتصالات مع بعض التجار الإيرانيين البارزين في البحرين. “
وفي عام 1923، شدد القنصل الإيراني في النجف الاشرف على جميع الإيرانيين والمواطنين في البحرين بضرورة تسجيل أسمائهم لدى القنصلية الإيرانية في النجف الاشرف. وقد سلمت نسخة من هذا الإعلان إلى المندوب السامي البريطاني المقيم في العراق. وكان الإجراء البريطاني شديدا تجاه هذه التصرفات غير القانونية. فقد وجه المندوب السامي تحذيرا رسميا إلى حكومة طهران، طالب فيه بسحب هذا الإعلان فورا. “
ومنذ تلك الفترة، اتخذت بريطانيا الإجراءات اللازمة لمواجهة الادعاءات والإعلانات الصادرة من القناصل الإيرانيين في العراق. وقد أصدر المغفور له الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ولي عهد البحرين آنذاك، في 9 أيلول/سبتمبر عام 1923، قرارا أعلن فيه “لقد نما إلى علمي أن بعض القناصل التابعين للحكومة الإيرانية يسجلون رعايتنا من البحارنة على أنهم رعايا إيرانيين.
ولذلك فإنني احتج احتجاجا شديدا على ذلك، باعتباره يشكل خرقا صريحا لحقوق السيادة المخولة لي كولي عهد للبحرين، واعتبر إجراء أي تسجيل من ذلك النوع عملا غير شرعي، كما سيبعد الشخص الذي يقبل تسجيل نفسه، أو تسجيل أي فرد من أسرته، من البحرين بعد أن ينال جزاءه الرادع”.
كما وجه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة إنذاره إلى الرعايا الإيرانيين المقيمين في البحرين بأنه “إذا ثبت تآمرهم فإنهم سينالون جزاء رادعا بما في ذلك مصادرة ممتلكاتهم وإبعادهم النهائي عن البحرين”.
وليس القصد من وراء سرد هذه التفاصيل الإساءة إلى دولة هامة ورئيسية في المنطقة، وانما تقديم صورة متكاملة لخلفية هذا الموضوع التاريخية.
ولكي تكتمل هذه الصورة، لا بد أن نورد ما تذكره الدراسات والمراجع في هذا الشأن من أن الإجراءات الصارمة التي اتخذت من جانب السلطات البريطانية وحاكم البحرين لم تردع إيران، ولم تثنها عن عزمها. ففي عام 2791 لجأت إيران إلى أسلوب آخر، وهو إرسال عملائها ومهاجريها بغية تأليب شعب البحرين ضد حكامه، وإثارة الفتنة الطائفية في البلاد. وقد جاء ذلك في المذكرة التي بعث بها المقيم السياسي البريطاني في الخليج إلى حكومة الهند، حيث قال “أن البحرين أصبحت قاعدة للمؤامرات الإيرانية ويجب إيقاف الهجرة الإيرانية المكثفة إلى البحرين”.
وتقديرا لخطورة الهجرة الإيرانية إلى البحرين، اتخذت الحكومة البريطانية عدة إجراءات من شأنها الحد من هذه الهجرة. وكان من بين تلك الإجراءات أنها طلبت من حاكم البحرين، الذي كان بدوره مستاء من هذه الهجرة، أن يصدر قانونا في أول كانون ثاني/ يناير عام 1929 بعدم السماح بالدخول إلى البحرين لكل من يحمل جوازات أو وثائق سفر إيرانية، ووجوب الحصول على جوازات للسفر معتمدة من قبل القنصليات البريطانية الموجودة في بعض المدن والموانئ الإيرانية. وقد وقع على ذلك القرار “السير تشارلز بلجريف” المستشار الخاص لحكومة البحرين.
ولم ينجح قانون 9291في وقف هجرة الإيرانيين إلى البحرين. بل على العكس من ذلك، عمدت إيران إلى تكثيف موجات هذه الهجرة، مما اضطر حكومة البحرين إلى إصدار قانون الجنسية والملكية في عام 1939، للحد من حصول الإيرانيين على الجنسية البحرينية.

وقد استمر حاكم البحرين في ذلك الوقت، في محاولة التصدي لهذه الادعاءات المتجددة. وكتب في هذا الصدد رسالة إلى المقيم السياسي البريطاني، طلب فيها من الحكومة البريطانية بموجب اتفاقية “الحماية” التصدي لهذه الادعاءات والمطالب غير القانونية. وصرح في هذه الرسالة بان شيوخ البحرين يعتزمون إرسال الشيخ محمد، شقيق الشيخ حمد بن عيسى ولي العهد، إلى جنيف نيابة عن حاكم وشعب البحرين، للوقوف في وجه المطالب الإيرانية.
وفي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، تصورت إيران أن الوقت بات مناسبا لكي تحقق أطماعها في البحرين، وتؤكد دعواها السابقة، فقام البرلمان الإيراني في عام 1946 بإصدار قرار يقضي بعزم إيران على ممارسة سيادتها على البحرين وتطبيق الرسوم البريدية الداخلية على الرسائل الصادرة إلى البحرين.
ثم اتخذ الصعيد الإيراني أبعادا جديدة عندما أصدرت الحكومة الإيرانية في عام 1975 قرارا جديدا يقضي بضم البحرين – التي أطلق عليها القرار اسم الإقليم الرابع عشر – إلى الأراضي الإيرانية.
وعلى مدى خمسة عشر عاما من ذلك التاريخ، واصلت إيران إصدار البيانات والتصريحات التي تكشف عن نواياها إزاء البحرين وإصرارها على ضمها. وانتهزت فرصة قرار الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي، الذي صدر في الأول من نيسان/ ابريل عام 1968، لتؤكد من جديد ما أسمته بـ”الحقوق الإيرانية في الخليج .
ويذكر سمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة بالتقدير، الدور الذي قام به المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود عاهل المملكة العربية السعودية الأسبق”1946 – 1957″ في دعم موقف البحرين في مواجهة الادعاءات الإيرانية. ويقول الشيخ خليفة انه بحكم علاقات الأخوة العميقة والمودة الصادقة التي تربط بين الشعبين الشقيقين في المملكة العربية السعودية والبحرين بذل الملك فيصل جهودا كبيرة للتأثير على الإمبراطور محمد رضا بهلوي شاه إيران “1914 – 1979″ بخصوص سياسته وتوجهاته نحو البحرين
وقد بلغ هذا التأثير مداه خلال الاجتماع التاريخي الذي عقد بينهما في جدة في تشرين أول/ أكتوبر عام 1968، والذي تصدر موضوع البحرين جدول أعماله. وكانت الأوضاع السياسية في المنطقة آنذاك ما زالت تمر بفترة حرجة للغاية، بسبب التوترات الإقليمية من جهة، والتداعيات التي أحدثتها المزاعم الإيرانية من جهة أخرى.
وقد آتت الجهود السياسية والدبلوماسية البحرينية أولى ثمارها، عندما صرح شاه إيران محمد رضا بهلوي في 4 كانون ثاني/ يناير عام 1969 أثناء زيارته لنيودلهي، بشأن سياسته تجاه البحرين قائلا “إن جزر البحرين فصلها الإنجليز عن بلادنا قبل مائة وخمسين عاما، وألحقوها بإمبراطوريتهم.
بسياستها القائمة على أساس عدم اعتماد القوة في الحصول على مكاسب إقليمية. وإذا كان سكان البحرين لا يرغبون في الانضمام إلى بلادنا،، فنحن لن نلجأ للقوة، لان ذلك يتعارض ومبادئ سياستنا”.
واثر العديد من الاتصالات غير المباشرة بين المسؤولين في البحرين وإيران، تم الترتيب لعقد لقاء بين المسؤولين في الدولتين. واتفق على أن يكون هذا اللقاءفي جنيف. وهناك، بذل الشيخ خليفة بن سلمان رئيس المجلس الإداري والشيخ محمد بن مبارك آل خليفة رئيس دائرة الخارجية والإعلام، جهودا مضنية في المفاوضات التي جرت بين وفد البحرين ووفد الحكومة الإيرانية برئاسة الممثل الخاص لجلالة شاه إيران.
وقد سألت سمو الشيخ خليفة “كيف استطعتم مواجهة إيران التي كانت في أوج قوتها، مع الإمكانيات المتواضعة للبحرين”؟
فأجابني سموه وبكل ثقة “انه الإيمان بالحق وقوة الإرادة”. ومضى يسرد علي ذكريات هذه المرحلة قائلا “عندما جلسنا مع الوفد الإيراني لأول مرة على طاولة المفاوضات في جنيف، بدأ رئيس الوفد الإيراني بداية غير مناسبة، حيث راح يطلق التهديد والوعيد، بأسلوب لا يليق بجو جلسة مفاوضات بين بلدين.
وكان من بين ما قال أن بإمكان إيران إرسال سفنها الحربية إلى البحرين، واحتلالها في ساعات وحسم المسألة. وعندئذ أبلغت رئيس الوفد الإيراني بان البحرين قد تكون صغيرة المساحة، إلا أننا سوف ندافع عنها بكل ما نملك من قوة، وبكل إيمان وعزيمة، وحتى آخر قطرة من دمائنا، وانه لن ينزل جندي أجنبي على أرضنا إلا ليجدها نارا مشتعلة”.
وأنهى الشيخ خليفة الجلسة، وغادر قاعة الاجتماعات بعد أن ختم كلامه للمسؤول الإيراني بقوله “نحن أتينا هنا للتفاوض وليس لسماع التهديدات”، ولم تمض سوى دقائق حتى دق جرس الهاتف في جناح الفندق الذي كان ينزل فيه الشيخ خليفة. وكان المتحدث رئيس الوفد الإيراني شخصيا، حيث طلب منه، وبطريقة دبلوماسية بدت مختلفة تماما عن أسلوبه السابق، العودة إلى الاجتماع.

وقد كان من الواضح أن هذا التطور جاء بناء على توجيهات من شاه إيران شخصيا، بعد أن تم إعلامه عبر الهاتف من قبل رئيس الوفد الإيراني بما دار في الاجتماع. وكان من الواضح أيضا أن الشاه لم يعد لديه أدنى شك في عروبة البحرين وعدالة قضيتها. وما كانت هذه المفاوضات إلا وسيلة لحفظ ماء الوجه، ومحاولة لإظهار بلاده بالمظهر الحضاري الذي كانت ابعد ما تكون عنه خلال عقود من مطالبتها بالبحرين.
واستمرت المفاوضات بين الوفدين البحريني والإيراني عدة أشهر، واستمرت معها سلسلة من الاتصالات، على مستويات مختلفة، بين الجانبين من جهة، وبين البحرين وبريطانيا من جهة ثانية، وبين الدول الثلاث مجتمعة من جهة ثالثة، وأيضا في إطار الأمم المتحدة. وكان للموقف الصلب الذي تبناه الشيخ خليفة، سواء في المفاوضات أو الاتصالات، أعظم الأثر في دحض الافتراءات الإيرانية، وتعزيز موقف البحرين. وقد دارت هذه المفاوضات والاتصالات المكثفة حول ثلاثة حلول رئيسية لقضية البحرين وإيران.
كان الحل الأول يتمثل في “مبدأ الاستفتاء” الذي طرحه شاه إيران بشكل غير مباشر خلال زيارته للهند عام 9691. إلا أن الشيخ خليفة كان متحفظا إزاء القبول بهذا المبدأ، على أساس انه ينطوي على التشكيك في عروبة البحرين، وانه يمكن أن يؤخذ كسابقة تشجع الدول الكبيرة والقوية على المطالبة بأية دولة صغيرة، على أساس تاريخي أو سكاني.
وكان الحل الثاني متمثلا في أن تقوم إيران بطرح الموضوع على اللجنة الدولية لتصفية الاستعمار، والتي كانت تعرف باسم “اللجنة 42″. وقد أدت التطورات الخاصة بالعلاقات بين بريطانيا وعدن إلى طرح فكرة هذا الحل. غير أن وضع البحرين كان مختلفا تماما عن طبيعية العلاقة التي كانت قائمة بين بريطانيا وعدن، والتي بمقتضاها وواقع حالها كانت الأولى تحتل الثانية عسكريا.
أما الحل الثالث فقد تمثل في إمكانية رفع القضية إلى محكمة العدل الدولية. غير أن ذلك بالطبع لم يكن من اختصاص المحكمة، حيث لم تكن هناك مشكلة قانونية بين العرب وإيران حتى تنظر المحكمة في حالها.
ومن جانب آخر وافقت البحرين، يساندها عدد من الدول العربية في الأمم المتحدة، على تكوين لجنة لتقصي الحقائق، يتولى السكرتير العام للمنظمة الدولية تعيين أعضائها. إلا أن السكرتير العام لم يجد ضرورة لتشكيل مثل هذه اللجنة، واقترح بدلا من ذلك إرسال مبعوث شخصي نيابة عنه إلى البحرين، ليتقصى الحقائق ويجتمع بالأهالي، ثم يقدم تقريرا إلى السكرتير العام، ويرفع
التقرير بالتالي إلى مجلس الأمن، ليسجل كوثيقة دولية تعلن إيران اعترافها بها.
ومن خلال الاتصالات السرية التي جرت بين بريطانيا وإيران، تم الاتفاق بينهما على القبول بهذا الحل، الذي اعترض عليه الاتحاد السوفيتي السابق، حيث سجل مندوبه لدى الأمم المتحدة اعتراض بلاده على قيام السكرتير العام للمنظمة الدولية باتخاذ هذه الخطوة دون أن يستشير الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ورد السكرتير العام على الاعتراض السوفيتي قائلا “إن الأطراف المتنازعة اتفقت على طريقة الحل مسبقا. وهناك سوابق عديدة حدثت في الأمم المتحدة وتصرف فيها السكرتير العام”.
وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخمسين من بعد ظهر يوم 26 آذار/ مارس عام 1970 أعلنت إذاعة لندن أن كلا من بريطانيا وإيران تقدمتا بطلب إلى السكرتير العام للأمم المتحدة لإرسال مندوب من المنظمة الدولية لاستطلاع رأي شعب البحرين حول ما إذا كان يرغب في الاستقلال أو الانضمام إلى إيران”.
وفي يوم الأحد 92 آذار/ مارس من العام ذاته أصدر مجلس الدولة في البحرين، بعد اجتماع مطول له برئاسة سمو الشيخ خليفة بن سلمان، بيانا لشعب البحرين جاء فيه “إن الموقف الإيراني تجاه البحرين من الأمور التي يجب معالجتها جذريا، ليس باعتباره مسألة تخص البلدين فحسب، بل لضمان مستقبل دول المنطقة كلها” وأضاف البيان يقول “ولقد قبلنا بهذا الإجراء لأنه قبل كل شيء لا يمس سيادتنا وكرامتنا كبلد مستقل، ولا يعني اعترافا منا بالادعاء الإيراني، ولكن لكي نبرهن في الوقت ذاته على صدق نوايانا في مجال التعاون المخلص مع دول منطقتنا كلها”. واستمر البيان يقول “أيها المواطنون…. إنها لفرصة تاريخية أن نقول كلمتنا على مسمع من العالم كله، مؤكدين حقيقتنا، مظهرين وعينا ونضجنا ورقينا، مثبتين تمسكنا بروح السلم من اجل تأكيد حقنا الذي سيبقى بإذن الله ناصعا كاملا، مع رسوخ كيان هذا البلد العريق”.
ولم يكن الاستعداد لهذا الحدث قاصرا على البحرين وحدها. فقد كانت إيران من جانبها تبذل كل الجهد لتهيئة الجو لنتائج بعثة الأمم المتحدة، والتي لم يكن هناك أدنى شك في أنها ستجيء مؤكدة عروبة البحرين. وفي هذا الإطار، عقد مجلس النواب الإيراني جلسة طارئة برئاسة السيد عبد الله رياضي رئيس المجلس. وقد بدأ وزير الخارجية الإيراني السيد اردشير زاهدي الجلسة بكلمة مطولة تحت عنوان “قضية البحرين ومصير سكانها” نكتفي هنا بنقل الفقرة الأخيرة منها، حيث قال الوزير الإيراني “كما يعلم السادة النواب المحترمون، أن الحكومة البريطانية سوف تنسحب في سنة 1791 من “الخليج الفارسي”. وقد يبدو عندئذ أن العقبات الموجودة لإعادة البحرين قد زالت، وان إيران سوف تتمكن بعد الانسحاب من احتلال الجزيرة بإرسال القوات إليها. إلا انه يجب ملاحظة إمكان وقوع تغيرات بطبيعة سكان البحرين بفعل هذه المدة الطويلة التي تركت أثرا على الميول الباطنية لغالبية السكان هناك، دون أن تعلم الحكومة الشاهنشاهية شيئا عن طبيعتها في الوقت الحاضر. واعتمادا على هذه الملاحظات، فقد حدد جلالة الشاهنشاه اريامهر في مقابلته الصحفية في كانون ثاني/ يناير 9691 في نيودلهي، الخطوط المنطقية والمعقولة التي كان على إيران أن تختارها لحل قضية البحرين. وقال موضحا في التصريحات الحكيمة هذه، لقد كانت إيران متمسكة دائما بسياستها على عدم استخدام القوة للحصول على أراض وامتيازات إقليمية، ضد ميول ورغبات سكان تلك المنطقة. وأود أن أقول انه لم يرغب سكان البحرين بالانضمام إلى بلادنا، فإننا لن نلجأ إلى استخدام القوة أبدا، .
وأرجو هنا ملاحظة استخدام المسؤول الإيراني لعبارة “الخلافات الدولية” مما يعد اعترافا مبكرا وصريحا ومباشرا من إيران باستقلال البحرين، حيث الخلاف بين “دولتين”، وليس ما كان يدعي البعض لديهم بأنها خلافات إيرانية داخلية.
ومن الطريف أن أربعة من مجموعة خمسة أعضاء، كانوا يمثلون حزب إيران الكبرى في هذه الجلسة، صوتوا بالموافقة على الحل المذكور، بينما صوت نائب الحزب، السيد فضل الله صدر، ضد هذا الحل. وكانت نتيجة ذلك أن طرد السيد فضل الله من الحزب، بسبب اتخاذه لهذا الموقف المعاكس. كما أوقفت السلطات المختصة في إيران صحيفة “خاك خون” عن الصدور، اثر مهاجمتها للسياسة الإيرانية فيما يتعلق بقرارها حول إجراءات إنهاء المطالبة بالبحرين. ومن جانبه قال السيد مسعودي نائب رئيس مجلس الشيوخ الإيراني “إن البحرين قد تطورت في الوقت الحاضر، وشهدت تغيرا كبيرا” وأضاف السيد مسعودي، الذي نقل تصريحاته هذه راديو طهران الناطق بالإيرانية، قائلا “ليس باستطاعة إيران أن تبني مواقفها على نظريات قديمة يعود عدها إلى ما قبل مائة وخمسين سنة….”.
والجدير بالذكر أن مجلس الشيوخ الإيراني كان قد وافق بالإجماع على الطريقة التي اتبعتها الحكومة الإيرانية لحل قضية البحرين. وفي مجلس النواب، وافقت جميع الأحزاب الإيرانية على نفس الطريقة، فيما عدا حزب واحد، هو حزب “بان إيران” المعروف بتطرفه. إلا أن أعضاء هذا الحزب في البرلمان كانوا قليلين، وبالتالي كان تأثيرهم ضعيفا.وبعد موافقة الأطراف المعنية بقضية البحرين “بريطانيا وإيران وحكومة البحرين”، وفي الساعة السابعة من صباح يوم 03 آذار/ مارس عام 1970، كان سمو الشيخ خليفة بن سلمان رئيس مجلس الدولة في قاعة التشريفات بمطار البحرين الدولي، في انتظار وصول لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة. وضمت البعثة في عضويتها ستة ممثلين دوليين من اندونيسيا وايرلندا وفرنسا والهند والأردن، إضافة إلى رئيسها المندوب الإيطالي السيد “ونسبير جيو شاردي”. وأعلن “جيو شاردي” لدى وصوله مطار البحرين، انه سوف يقوم بزيارة المؤسسات والهيئات والمنظمات والجمعيات وبعض أفراد الشعب.
كما أعلن ترحيبه بكل من يود القيام بزيارته أو الاتصال به بكل حرية. وفي ختام حديثه، أكد انه سوف يقوم بعمله بكل أمانة وحياد وتجرد وعدل، دون تحيز أو ميل، مع عدم التدخل في الشؤون اليومية للمواطنين.
وقد تم وضع برنامج الاستطلاع للجنة الأمم المتحدة، بحيث يشمل معظم مناطق البلاد، وقد بدأت البعثة هذه اللقاءات مع المواطنين في عصر نفس يوم الوصول، وذلك في قاعة المؤتمرات في فندق الخليج، حيث كان رجال الدين هم أول من التقت بهم البعثة وذلك في الساعة الخامسة عصرا، ثم توالت هذه اللقاءات لمعظم الأندية والجمعيات والقرى والمؤسسات، وذلك حرصا من جانب اللجنة على أن يشمل الاستطلاع معظم فئات وأفراد الشعب.
وعلى سبيل المثال، اجتمعت البعثة مع إدارات أندية العروبة والخريجين والبحرين وجدحفص والنسور والسنابس والجزائر والفردوسي وسترة والرفاع واليرموك والإصلاح والنعيم والأهلي والترسانة.
كما كان للجمعيات النسائية دورها، حيث التقت البعثة بإدارات جمعية رعاية الطفولة والأمومة ونهضة فتاة البحرين. هذا بالإضافة إلى الجمعيات الأخرى مثل أسرة الأدباء والكتاب وأسرة فناني البحرين وجمعية الهلال الأحمر البحريني، والعديد غيرهم.
وبينما كانت لجنة تقصي الحقائق تقوم بمهمتها في البحرين، كان وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأستاذ عمر السقاف يقوم بزيارة إلى إيران. وقد صرح السقاف خلال هذه الزيارة بقوله “إن موقف إيران في مسألة البحرين هو موقف سلمي ومنطقي، وان السياسة الحكيمة للشاهنشاه كانت دوما مبعث التقدير” وجاء هذا التصريح في إطار الجهود التي كانت تقوم بها المملكة العربية السعودية لدعم قضية البحرين، وإعطاء حكومة الشاه التقدير الإقليمي الذي كانت بحاجة إليه داخليا.
وفي 91 نيسان/ إبريل عام 0791، سافرت اللجنة بعد الانتهاء من مهمتها في البحرين إلى جنيف. وفي الثلاثين من الشهر نفسه قدم السيد “جيو شاردي” تقريرا كاملا بنتائج عمل بعثته في البحرين إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وقد ذكر “جيو شاردي” في تقريره انه “تعمد استطلاع رأي الجمعيات والنوادي والمواطنين العاديين، كما زارت البعثة ثلاث قرى نائية، وأجرت الكثير من المقابلات والاتصالات الشخصية.
كما أن أكثر الردود التي تلقاها التقت عند قاسمين مشتركين، أولهما: تطلع الجميع إلى الهدوء والاستقرار في المنطقة، وقيام علاقات أوثق بين زعماء دول الخليج بما فيها إيران. وثانيهما: قيام دولة ذات سيادة واستقلال تامين. وقالت الأغلبية العظمى أن هذه الدولة يجب أن تكون دولة عربية.
والجدير بالذكر أن هذا التقرير الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي واعترفت على أساسه جميع دول العالم باستقلال البحرين قد شمل أرخبيل البحرين بأكمله وجميع جزرها بما فيها جزر حوار، بما ينهي ليس مطالبات إيران فحسب، بل يجعل المطالبات القطرية في “حوار” غير ذات موضوع وغير قائمة أصلا.
وقبل انعقاد مجلس الأمن للمصادقة على بيان لجنة تقصي الحقائق، سافر وفد البحرين إلى الأمم المتحدة. وكان مؤلفا من رئيس دائرة الخارجية الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة. والمستشار القانوني لمجلس الدولة الدكتور حسين محمد البحارنة، وبعض المختصين.
وفي 11 أيار/ مايو عام 1970 صادق مجلس الأمن على تقرير لجنة تقصي الحقائق حول مشكلة البحرين. وبهذا سقطت المطالبة الإيرانية بالبحرين، بعد ادعاءات استمرت أكثر من 150 عاما. وبعد أن أكدت اللجنة الدولية -على ارض الواقع- استقلال البحرين وعروبتها الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، لم يعد أمام حكومة شاه إيران سوى الاعتراف بالأمر الواقع.
طمع الجار
ومن ثم عمدت إلى التقارب مع البحرين، فأرسلت في 71 أيار/ مايو عام 0791 وفدا برئاسة وكيل وزارة الخارجية للتهنئة بصدور القرار. ومن غرائب الصدق أن يكون هذا الوكيل هو نفس المسؤول الذي ترأس الوفد الإيراني لأول مفاوضات في جنيف مع البحرين!
ولتأكيد الأصالة العربية للبحرين قام رئيس مجلس الدولة آنذاك سمو الشيخ خليفة بين سلمان آل خليفة في حزيران/ يونيو عام 1970 بأول زيارة رسمية يقوم بها مسؤول بحريني إلى إيران منذ ما يقارب القرن من الزمان. وفي أعقاب هذه التطورات، أخذت العلاقات البحرينية الإيرانية في التحسن بشكل كبير للغاية، حيث لم تمر فترة طويلة على عودة سمو الشيخ خليفة من إيران، حتى وصلت البحرين دعوة أخرى إلى سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البلاد آنذاك من الشاه محمد رضا بهلوي يدعوه فيها لزيارة إيران. وفي 81 كانون أول/ ديسمبر من نفس العام قام الشيخ عيسى بتلبية هذه الدعوة.
وانطلاقا من الحرص الذي أولاه الشيخ خليفة لتطوير علاقات الصداقة والتعاون بين البحرين وإيران، ورغبة منه في تعزيز آليات العمل السياسي والتبادل التجاري والاقتصادي بينهما، قام في 42 أيار/ مايو عام 1975 بزيارة ثانية إلى طهران تلبية لدعوة رسمية من السيد أمير عباس هويدا رئيس الوزراء الإيراني آنذاك.
وقد كان لهذه الزيارة، وفق ما تناقلته وكالات الأنباء العالمية، طابعا مميزا، حمل في طياته تقديرا إيرانيا كبيرا لهذا السياسي العربي القدير القادم من البحرين. وانعكس هذا التقدير على كل شيء، ابتداء من جدول الأعمال الحافل الذي اعد قبل الزيارة.
وعند وصول الشيخ خليفة والوفد المرافق له إلى مطار طهران. أحيط باستقبال رسمي حافل. ورافقت موكبه عربات تجرها الخيول إلى وسط العاصمة الإيرانية. هذا بالإضافة إلى الحفاوة البالغة من الشعب الإيراني الذي اصطف على جانبي الشوارع لتحية الوفد البحريني. وقد بلغت هذه الحفاوة والتقدير لشخص الشيخ خليفة قمتها خلال وبعد المباحثات التي أجراها مع شاه إيران السابق.
ففي ختام جولة المباحثات التي أجرياها في القصر الإمبراطوري بطهران، مشى الشاه مع الشيخ خليفة حتى باب القصر. وهناك، توقف الشيخ خليفة مودعا، ومعبرا للشاه عن شكره والوفد المرافق. فما كان من الشاه إلا أن أصر على توصيل ضيفه إلى مقر إقامته في احد القصور الملحقة بالقصر الرئيسي، وذلك سيرا على الأقدام عبر حدائق القصر الشاسعة، و وسط دهشة كافة المسؤولين الإيرانيين المرافقين الذين لم يعتادوا رؤية إمبراطورهم يتنحى جانبا عن مقتضيات البروتوكول الخاص بالبلاط الشاهنشاهي. وكانت هذه لفتة تقدير خاصة من جانب الشاه لضيفه الكبير.
في شهر حزيران/ يونيو عام 1954 وفيما كان العالم كله يستمع بفرح إلى سلسلة الأخبار والبيانات الدولية التي تعلن انتهاء الحرب العالمية الثانية، بما انتهت إليه من انتصار الحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا، إضافة للولايات المتحدة الأمريكية، كان المواطنون في البحرين يعبرون عن سعادتهم بانتصار بريطانيا على أمل أن تحث ظروف ما بعد الحرب بريطانيا على توجيه اهتمامها إلى تحديث البحرين وتعويضيها عما فاتها جراء الحرب.
غير انه لم تكد الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها حتى شنت الصحافة الإيرانية حملة دعائية كبيرة ضد بريطانيا تطالب فيها بالسيادة الإيرانية على البحرين، وخاصة الصحافة ذات الميول الشيوعية، وذلك بعدما ازداد نفوذ الشيوعية بدرجة كبيرة في إيران بسبب خضوع معظم الأجزاء الشمالية من إيران للنفوذ السوفييتي فضلا عن تصاعد نجم “حزب توده” بشكل واضح على الساحة الإيرانية.
وفي 12 أيلول/ سبتمبر عام 1954 ضمنت جريدة “نيروز إيران” مقالها الرئيسي، الحديث الذي أدلى به وزير الخارجية الإيراني في المجلس النيابي وتطرق فيه لانتهاك القوات الروسية، ثم طالب الولايات المتحدة بالتريث في استخراج النفط من الحقول البحرينية “نظرا للحقوق الإيرانية وملكيتها في البحرين”. وقالت الصحيفة بأن تلك الحقوق مثبتة بالسجلات عند وزير الخارجية الإيرانية!!
وعلى مدى أشهر شباط/ فبراير وآذار/ مارس وأيار/ مايو من عام 6491 صعدت الصحف الإيرانية حملتها الداعية للتخلص من القوات السوفيتية في شمال إيران، وذلك بالضغط عليها عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى ادعاء الحكومة الإيرانية بضرورة إعادة البحرين إلى السيادة الإيرانية وطرد القوات البريطانية من جزيرة البحرين، والتخلص من البريطانيين بأية طريقة.
أما جريدة “حزب توده” الشيوعي “آهان” الصادرة في 72 و 28 من شهر آب/ أغسطس عام 1946فقد طالبت بعرض قضية البحرين على مؤتمرات الصلح،بغية دعم الحلفاء لفكرة إعطاء البحرين لإيران . ولكن الحكومة الإيرانية لعلمها بضعف ادعائها، فضلا عن أن الحكومة البريطانية كانت تتمتع بنفوذ كبير لدى الأمم المتحدة باعتبارها من الدول الكبرى، ومع ذلك فقد شهدت هذه الفترة استمرار الصحف الإيرانية في نشر مقالات عدة عن الادعاءات الإيرانية في تبعية البحرين.
ولقد أخذت الادعاءات الإيرانية صيغة جديدة حين أصدرت وزارة التربية والتعليم الإيرانية قرارا يقضي بتدريس تبعية البحرين لإيران في المدارس، كما جاء في هذه التعليمات انه “بالنظر إلى الحقيقة الواقعة بان أرخبيل البحرين جزء من إيران فان سكان هذا المكان رعايا إيرانيون، ولذلك يطلب من جميع المدرسين توضيح الموقف لتلاميذهم” وذلك بهدف تنشئة الجيل الجديد وما يليه من أجيال على أن البحرين جزء من إيران.
وضمن هذا الاتجاه أصدر مجلس الوزراء الإيراني مرسوما في نيسان/ إبريل عام 6491 يقضي بان يخضع إنتاج الحقول النفطية في البحرين، والمصدر إلى الخارج لنفس الإجراءات المتبعة بحق شركة البترول الانجلو -فارسية، ومنذ صدور هذا المرسوم أخذت الصحافة الإيرانية تشن حملة موجهة ضد البحرين والشركات البترولية العاملة فيها وضد الوجود البريطاني.
وفي نفس العام 1946 اتخذت الحكومة الإيرانية إجراءات سياسية أخرى، واستطاعت أن تستصدر قرارا من مجلس البرلمان الإيراني يقضي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق الرسوم البريدية على الرسائل الصادرة والواردة من والى البحرين وذلك للمضي بممارسة سيادتها على البحرين على نحو ما كانت تأمله.
وقام سفير الولايات المتحدة الأمريكية في طهران يوم الثالث عشر من آب/ أغسطس 6491 بزيارة إلى البحرين استغرقت خمس ساعات عقد خلالها اجتماعا مطولا مع المقيم السياسي البريطاني في البحرين. وفي تلك الأثناء ابلغه الأخير “بان رئيس الوزراء الإيراني أطلعه على الرسالة الأصلية الصادرة عام 9681 من الحكومة البريطانية والتي تعترف فيها بسيادة إيران على البحرين، وفاتحه خلال الحديث بان فارس لا تزال تصر على ادعائها بشأن الجزيرة، وانه -أي رئيس الوزراء الإيراني- لا ينوي حاليا إثارة الادعاءات الإيرانية حول جزيرة البحرين أو عرضها على الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية، الأمر الذي كان يعتقد هو بأنه أمر غير محبب وغير مضمون النجاح بسبب النفوذ القوي لبريطانيا في المنظمات الدولية.
بعد ذلك ارتفعت وتيرة الادعاءات الإيرانية بتبعية البحرين لدى أوساط الشعب الإيراني وبتحريك وإيعاز من الحكومة الإيرانية… ففي 12 كانون أول/ ديسمبر 6491 بثت إذاعة طهران حديثا لأحد أعضاء الحزب الديمقراطي في طهران بمناسبة رفع التهاني لرئيس الوزراء بانتهاء قضية اذريبجان، في أعقاب انسحاب القوات السوفيتية من المقاطعات الإيرانية الشمالية، مما أعطى الإيرانيين دافعا للمطالبة بما أسموه بحدود إمبراطوريتها القديمة قبل الإسلام.
ولهذا فان الزعيم الإيراني قال متحدثا للإذاعة: أن الجيش الفارسي الذي استرجع أراضيه اظهر شجاعة وبطولة نادرة ،وطالب الزعيم الإيراني بان يرفع الجيش الإيراني شعار الأسد و الشمس “فوق جميع أرجاء الدولة الفارسية القديمة ابتداء من شركس حتى خانقين ومن أوراس حتى البحرين”!!
كما اتخذت الحكومة الإيرانية إجراءات سياسية أخرى تتمثل في عدم الاعتراف بجوازات السفر البحرينية للذين يزورونها من البحرين للسياحة أو لزيارة العتبات المقدسة عند الشيعة، وكل من يزور إيران من البحرينيين كان يتم مصادرة جواز سفره وإصدار وثيقة سفر إيرانية له بدلا منه.
ولقد كان مبعث غضب لسمو الشيخ سلمان بن حمد حاكم البحرين أن تسمح إذاعة الشرق الأدنى التابعة لبريطانيا ببث أقوال شخص يدعي بأنه ممثل الحزب القومي البحريني زاعما بان شعب البحرين يريد أن ينضم إلى إيران! وعليه كتب حاكم البحرين رسالة إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي يبلغه فيها بأمر هذا الخبر، وذلك الشخص الذي اتصل مع إيران، وأكد الشيخ سلمان بأنه لا يحق لأي شخص أن يتحدث باسم شعب البحرين غيره، وكان هذا الشخص قد زعم بأنه يمثل حزبا سريا في البحرين، وقدم المطالب التالية إلى المجلس النيابي الإيراني:
1.التصريح بتمثيل عضو بحريني في المجلس.
2.مد الخدمات التعليمية الإيرانية إلى البحرين وقبول البحرينيين للدراسة في جامعة طهران.
3.إقامة مراكز في الموانئ الإيرانية لتسهيل دخول البحرينيين إلى إيران.
4.إدخال برامج في ألاذعة الإيرانية خاصة بسكان البحرين.
5.والجدير بالذكر أن هذا الشخص تقدم لحكومة البحرين طالبا العفو عنه بعد استقلال البحريني في 14 آب/ أغسطس 1791.
وقد وافقت الحكومة على العفو عنه، كما سمحت له بالتقدم لترشيح نفسه للمجلس التأسيسي في عام 2791 وتعاملت الحكومة معه بغاية التسامح، ولكن الشعب رفضه فلم يحصل هذا الشخص إلا على 11 صوتا!!
الباحث توفيق الحمد












روابط اجتماعية