وداع الشيخ سلمان بن حمد
كانت البحرين قد بدأت تتذوق بواكير طعم الاستقرار، عندما راحت المتاعب الصحية، تعرف طريقها إلى جسد الشيخ سلمان، وكان الرجل يتحمل المشقة والتعب، بصورة مدهشة، فقد كان فارسا عربيا يكابر الألم، ويكبر عن الشكوى.. لم يكن الشيخ سلمان يعرف طعم الراحة والاسترخاء، فساعات عمله تمتد إلى آخر الليل، وتبدأ مع أول النهار.

وكان برنامج سموه اليومي، يبدأ في الساعة الثامنة، حيث يصل، إلى مكتبه الخاص، في مبنى باب البحرين، الذي كانت تشغله عدد من إدارات الحكومة.. وبعد أن يرشف بعض القهوة العربية، كان يستقبل المواطنين الذين ينتظرون للسلام عليه، فينظر في طلباتهم، وأمورهم. ثم يبدأ عمله الرسمي، الذي يتضمن مقابلات، ولقاءات، واجتماعات، ومراجعات يومية، ومخاطبات… وكان رحمه الله، يتجاهل في سبيل عمله للبحرين وشعب البحرين، نصائح الأطباء، الذين ابدوا الكثير من القلق على صحته، ونصحوه بعدم الإكثار من السهر، وتقليل ساعات العمل، غير انه ظل مواظبا على برنامجه، الذي اختاره لنفسه، واعتاد عليه منذ الشباب.
ولعل الذين يعرفون سمو الشيخ خليفة، يتساءلون، عن هذا الاندفاع، ونكران ألذات، والإصرار على العمل ساعات طويلة، وهذا الإقبال على متابعة الشؤون العامة، والإشراف شخصيا على تنفيذها.. لعلهم يتساءلون، عن كل ذلك بدهشة، واستغراب. وهؤلاء، سأحيلهم على سر شخصية سمو الشيخ خليفة.
وعلى ما يذهب المفكرون، في أن لكل شخصية مفتاح لفهمها.. فمفتاح شخصية سمو الشيخ خليفة يكمن في تأثره الشديد، بوالده، المغفور له الشيخ سلمان.. واعتزاز الوالد، بنجله، الذي استطاع أن يحذو حذو والده، في حبه البحرين، وإنكار ذاته، في سبيلها. وهذا ينطبق أيضا، وبنفس المستوى، على شخصية سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان، طيب الله ثراه. وان اختلف التعبير عن ذلك لدى الشقيقين، فهو اختلاف التكامل، لا اختلاف التضاد.
لقد كان سمو الشيخ سلمان، عمليا، في أسلوبه، وتعاملاته مع مختلف القضايا.. وتجسدت هذه الصفة، كاملة، في نجله سمو الشيخ خليفة. فمما تذمر منه بيلجريف، وهو يصف شخصية سمو الشيخ سلمان أن سموه كان يدقق الميزانية بنفسه، وهذا وان كان يزعج بيلجريف، فانه يشير إلى مدى حرص سمو الشيخ سلمان، على اخذ المبادرة، وإنجاز الأعمال بنفسه. وهي من الصفات العملية، التي ورثها سمو الشيخ خليفة، أو تلقفها وهو يراقب الوالد، فلاقت في شخصيته استعدادا.
والإخلاص، لأحلام و نوايا ومخططات السلف، وتحقيقها، صفة ظهرت واضحة لدى سمو الشيخ سلمان، ثم تجسدت في شخصيتي الشقيقين. فالشيخ سلمان، أبدى اهتماما حثيثا بإنشاء مجلس الشورى، وأعلن عن ذلك، بنفسه. وربما لن نستغرب لو علمنا، أن فكرة إنشاء مجلس للشورى، من قبل، فحملها الابن الشيخ سلمان. وحاول تحقيقها، غير أن العقبات التي زرعها بيلجريف، حالت دون ذلك، وان حرص سموه على تطبيق فكرتها عمليا من خلال الرجال المخلصين الذين كانوا يحيط نفسه بهم. فيشاورهم، ويستمع إلى آرائهم، ويطلع على تفاصيل حياة الناس، ومطالبهم من خلال هؤلاء الرجال.
قلنا، أن سمو الشيخ سلمان، ظل يرفض نصائح الأطباء، بالخلود إلى الراحة…. ولو توقف الأمر عند هذا الحد، لكان خيرا، فالرجل الذي اعتبر البحرين قطعة من قلبه، كان يؤلمه كثيرا، ما يحدث لها، من أبنائها، ومن الدول الطامعة بها، وكانت الأعباء الصحية، تزداد يوما بعد يوم، بفعل ازدياد أعباء البلاد، وهمومها.
وحاول الشقيقان: عيسى وخليفة، التخفيف بعض الشيء، عن والدهما، فكانا إضافة إلى إقناعه، بالركون إلى الراحة، ينقلان إليه أخبار البلاد بالتفصيل، ويتلقيان توجيهاته، بشأن تصريف بعض الأمور… وكان سمو الشيخ خليفة، لا يكاد يفارق والده، في أيامه الأخيرة… وخاصة بعد أن انتقل سمو الشيخ الوالد، للإقامة في منطقة(سافرة )، نتيجة تردي وضعه الصحي.
وظل الفارس يغالب المرض، والشكوى، غير أن إرادة الله، لم تمهل سموه كثيرا، إذ صعدت روحه إلى بارئها في حوالي الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس، الثاني من تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1961، عن عمر يناهز 67 عاما، بعد حوالي 20 سنة، أمضاها سموه على سدة الحكم، يقود سفينة البحرين، في بحر متلاطم الأمواج، ويخرجها كل مرة، أقوى، واقدر، واصلب عودا.

دمعة حزن
كان سمو الشيخ سلمان رحمه الله، رجل دولة من المؤسسين، الأفذاذ، استطاع أن يوظف ما امتلكه من ملكات فكرية، وشخصية، وجسدية، وفراسة وحنكة، وإيمان عميق، لإنجاز دوره الوطني الكبير، رغم كل الصعوبات التي رافقت مراحل هذا الدور. وهو وان كان حاضرا بإنجازاته، في أسفار التاريخ، ووثائقه، إلا انه حاضر في وجدان البحرين الشعبي، ليس فقط، بهذه الإنجازات، التي لا ينكرها، إلا مكابر، بل بشخصيته الفذة، التي جمعت الحنو والحنان إلى الحزم والقوة، وعرفت الطيبة وصفاء القلب، إلى الذكاء والحنكة وجمعت بين شخصية الزعيم المجاهد، الجاد، وشخصية الإنسان الوديع، والأب والعم والخال والشقيق، القريب دائما، إلى مشاكل وهموم عائلته، وآل بيته.. وربما لن نبالغ، لو قلنا أن حياة الشيخ طيب الله ثراه، في بيته، وفي أهله، ومع عائلته، تستحق لوحدها كتابا، يصور لأبناء البحرين، من الأجيال الحاضرة، والآتية، عظمة هذا الرجل، وتميزه ولطف معشره.
ومن مرويات الشيوخ من آل خليفة، عن سمو الشيخ سلمان، حدثني الشيخ سلمان بن دعيج آل خليفة، ابن عم سمو الشيخ عيسى، وسمو الشيخ خليفة، أن العلاقة بين سمو الشيخ سلمان، وشقيقه الشيخ دعيج كانت ذات طابع خاص، وطراز نادر، تجمع بين الحميمية، والهيبة والإجلال.. حتى أن سمو الشيخ دعيج، كان يحرص على مشورة شقيقه سمو الشيخ سلمان، في مختلف الأمور العائلية حتى لو كانت صغيرة. إدراكا من الشيخ دعيج لاهتمام سمو الشيخ سلمان بكل صغيرة وكبيرة، من أمور العائلة.
أما سموه، فكان رغم مشاغله، ورغم هموم الحكم، ومتاعبه، يبدي حرصا شديدا على منح بعض وقته لعائلته، مستفسرا عن شؤونها ومتابعا أمورها:
يقول الشيخ سلمان بن دعيج: (في نهاية الأربعينيات، أحببت تعلم ركوب الخيل، وكانت هذه الرياضة، منتشرة جدا في ذلك الوقت، بل كان من الطبيعي، أن لا تجد شابا في تلك الأوقات، إلا ويمارس ركوب الخيل والفروسية، ويمتلك فرسا أو حصانا، أو عددا من الخيول.. وطلبت من الوالد، الإذن لي بتعلم ركوب الخيل، ومع أن الأمر، كان بسيطا جدا من وجهة نظر -آنذاك-، إلا أن الوالد الشيخ دعيج، أبى أن يأذن لي بشيء، إلا بعد أن يستأذن هو بدوره شقيقه سمو الشيخ سلمان، ويسأله رأيه في الأمر!!
أما القصة الثانية التي يرويها الشيخ سلمان، فذات دلالات عظيمة.. نتركها لكم، ونكتفي بروايتها على لسان الراوي، الشيخ سلمان بن دعيج الذي يقول: (في عام 1953، طلبت من والدي أن يشتري لي سيارة. وبعد إلحاح طويل، وافق الوالد، وأمرني بالذهاب إلى وكلاء السيارات، وانتقاء السيارة التي أريدها، غير أنني اخترت سيارة (فورد)، وكانت غالية جدا، إذ وصلت قيمتها إلى 1300 روبية. ولم يكن الوالد قد خصص هذا المبلغ للسيارة، كما أنني شخصيا لم أكن املكه. فأمرني الوالد، بالذهاب إلى عمي، سمو الشيخ سلمان، وطلب مساعدة مالية منه، لأتمكن من شراء السيارة.
ويمضي الشيخ سلمان بن دعيج فيقول: (رغم فرحتي، إلا أنني كنت أتهيب مفاتحة سموه بالموضوع، ولذلك، فقد كتبت خطابا، شرحت فيه حاجتي لمبلغ من المال، أضيفه إلى المبلغ المتوفر لدينا، لأتمكن من دفع ثمن السيارة.
وذهبت إلى مجلس عمي، الحاكم، وبكثير من الحرج، والمهابة، قدمت لسموه الخطاب، فيما كان يستعد لأداء صلاة العصر، فقرأ سموه الرسالة، ولكنه لم يعلق عليها بشيء، واكتفى بوضعها في جيبه، ثم ذهب لأداء الصلاة. وبعد الصلاة، استدعاني سموه إلى مجلسه، فدخلت إليه، وملامحي تفضح ارتباكي، ورهبتي، ويبدو انه رحمه الله، أدرك ذلك، فأجلسني إلى جانبه، وطيب خاطري ببعض الكلمات، ثم سألني، من أين تريد أن تشتري السيارة؟.. فأجبت سموه، أنها من شركة الحاج خليل كانو. فقال لي سموه، وهو يبتسم بطيبة وتواضع، وحب: اذهب وقل للحاج خليل كانو، أن يرسل إلينا فاتورة بقيمة السيارة، حتى نأمر بصرف ثمنها كاملا إليه).
أما عن علاقة سمو الشيخ سلمان، بأشقائه، وخاصة سمو الشيخ دعيج، فيروي الشيخ سلمان بن دعيج، إنها وان كانت تميل إلى الرسمية، أحيانا، بمقتضى البروتوكول، فإنها في نفس الوقت، ذات حميمية واضحة.. وصادقة، فذات مرة، كان ثمة اختلاف في وجهات النظر، بين سمو الشيخ سلمان، وشقيقه سمو الشيخ دعيج، وأقام سمو الشيخ سلمان، مأدبة غذاء في قصر الشيخ حمد القريب من بيتنا في القضيبية. غير أن سمو الشيخ سلمان لم يرسل بدعوة شقيقه الشيخ دعيج، لعتب -ربما- أو لشيء آخر. وعندما علم الشيخ دعيج، بالأمر، سارع إلى ارتداء البشت، وذهب إلى القصر، وحضر تلك المأدبة.. وهناك، وما أن سنحت له الفرصة للانفراد، للحظات بسمو الحاكم، حتى بادره بالقول: لم أكن من المدعوين، اليوم، ولكني جئت بلا دعوة، اعتزازا بمكانة سموكم كشقيق وحاكم.
ومن مرويات الشيخ سلمان بن دعيج أيضا، أن سمو الحاكم، زار شقيقه الشيخ دعيج في بيته القديم، فلاحظ ضيق البيت، بساكنيه، ومن غير أن يخبر شقيقه بما أضمره في نفسه حين ذاك، بادر إلى الأمر ببناء بيت كبير، قرب قصر الشيخ حمد بالقضيبية، ليكون بيتا لعائلة شقيقه. كما أمر ببناء مزرعة فيمنطقة قلالي، منحها لشقيقه الشيخ دعيج. (كانت أياما هنيئة) تقول كريمة سمو الشيخ عبد الله بن عيسى آل خليفة، رئيس المجلس الإداري (1956- 1966)
وحرم سمو الشيخ دعيج بن حمد آل خليفة، رئيس المحاكم في البحرين، سابقا.. وتضيف؛ (غير أن الإنجليز كانوا يعملون دائما على زرع الفتنة، في البلاد، وكان السيد ديلي ماكرا للغاية، فكان يشيع بين الناس، أن أبناء العائلة الحاكمة، مختلفون فيما بينهم). وتمضي الشيخة في الحديث لتقول لي: (لا تصدق ما قد تسمعه عن خلافات، أو مشاحنات، بين سمو الشيخ سلمان وشقيقه الشيخ دعيج، أو بقية الأشقاء.. فما بينهم، كان أقوى بكثير من محاولات الإنجليز الذين عندما فشلوا بخلق الخلاف، أشاعوا انه موجود.
وهذه كانت سياستهم منذ القديم، ففي عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين (1869 – 1932)، كنا نذهب -تقصد عائلة الشيخ عبد الله بن عيسى- في الصيف إلى منطقة القلعة (السلمانية حاليا)، لجوها اللطيف، بسبب كثرة الأشجار، والنخيل. وذات يوم، سقط في حوش البيت، حجر، ملفوفة عليه رسالة، فأخذتها إحدى العاملات، وأحضرتها إلى الوالد، الذي قرأ الرسالة، فوجد فيها نصيحة من احدهم تقول أن الشيخ حمد بن عيسى سوف يقتل الشيخ عبد الله بن عيسى! فحمل الوالد الرسالة، وذهب بها إلى والده الشيخ عيسى بن علي.وبعد أيام، حضر إليه الشيخ حمد، وهو يحمل رسالة مماثلة، تزعم أن الشيخ عبدالله يخطط لقتل الشيخ حمد.وهنا ابتسم الشيخ عيسى…
واخرج الرسالة التي سقطت في حوش بيتنا، والتي لم يكن اعلم الشيخ حمد بأمرها، قائلا للشقيقين: (إنهم يحاولون زرع الفتنة بينكم منذ الآن.. فلا تجعلوهم يحققون أهدافهم من خلالكم).
وتضيف الشيخة كريمة الشيخ عبد الله بن عيسى: (أن هذه الوصيفة الحكيمة، ظلت تتوارث من السف إلى الخلف.. إذ أن مكائد الانجليز، ظلت مستمرة، وعلى نفس الوتيرة. ولكن علامة الأشقاء، ظلت دائما أقوى من محاولات الأعداء، الذين كانوا ما أن يدركون فشل محاولة حتى يبدأون أخرى.
ومن هذه المحاولات، كما تروي الشيخة، أن إشاعة انتشرت أيام الشيخ عيسى بن علي، أن الشيخ عيسى يعامل الشيعة معاملة سيئة، وكان هذا الأمر، غير صحيح على الإطلاق، بل أن المسؤولة عن غرفة الشيخ عيسى، التي ينام فيها، كانت سيدة شيعية، وكانت الوحيدة التي يسمح لها بدخول هذه الغرفة. كما أن زوجها ويدعى السيد هاشم، كان هو المسؤول عن إحضار طلبات الشيخ عيسى، وكانا يعملان لدى سموه بإخلاص، أما الشيخ فكان يثق يهما كثيرا ويحبهما، ويعطف عليهما كثيرا).
وقبل أن نترك ذلك الزمن الجميل، بقصصه الحلوة، سأستأذنكم، برواية هذه القصة على طرافتها، وعدم ارتباطها بموضوع الحديث، إلا أنها تشير إلى الأخوة والتواضع الذي كان عليه الحكام، الكبار والصغار من آل خليفة.. والبساطة التي كان يتمتع بها الحكام والشيوخ والأمراء.
فقد ذهب سمو الشيخ دعيج بن حمد، وسمو الشيخ احمد بن حمد، وسمو الشيخ عبد الله بن حمد إلى العراق للقنص. واخذوا معهم عددا من المرافقين والخدم، وكان بين هؤلاء سيدة يهودية الأصل أسلمت في البحرين، تدعى مسعودة، وكانت هذه السيدة، تتقن فنون الطبخ، وتتميز أصنافها التي تعدها بأنها لذيذة جدا. وعند رجوع الشيخ دعيج مع أشقائه في الباخرة، من ميناء البصرة العراقي، توقفوا في ميناء الكويت، حيث صعد على الباخرة، سمو الشيخ عبد الله السالم، وكان في تلك الفترة وليا للعهد في الكويت. وكان في طريقه إلى الهند، وعلى نفس الباخرة.
وأثناء الطريق، كانت مسعودة، تعد الطعام على السفينة، فرأت رجلا يمر بالقرب منها، ويرتدي ملابس عربية عادية، فنادته قائلة: (أنت يا رجل.. هل أنت من خدام الشيوخ؟ فرد عليها الرجل: ماذا تريدين؟ فأجابته: اذهب وقل لحسين الحرامي، احد الخدام. أن طعام الشيوخ جاهز، فليأت ليأخذه.. وضحك الرجل، وذهب يسأل عن حسين الحرامي، لينقل له الرسالة… ثم جاء إلى حيث يجلس الشيوخ، ليروي ما حدث معه، وهو يضحك، فقد كان هذا الرجل، هو سمو الشيخ عبد الله السالم، ولم تكن مسعودة تعرفه!!
وظلت هذه الحادثة، محل تندر الشيخ دعيج، والشيخ عبد الله السالم، كلما اجتمعا معا.. إذ أنها كانت سببا بنشوء صداقة حميمة، بين الرجلين، استمرت إلى ما بعد تولي سمو الشيخ عبد الله السالم، مقاليد الحكم في الكويت. وهو في الحقيقة، تولى الحكم، في أثناء هذه الرحلة، إذ جاءت الأخبار بوفاة أمير الكويت، فعاد الشيخ عبد الله السالم من فوره إلى الكويت ليتسلم مقاليد الحكم، أما العلاقة التي ربطت ما بينه وبين الشيخ دعيج، فظلت مستمرة، وكانت تجري بينهما زيارات متبادلة، إذ كان الشيخ عبد الله السالم يحرص على زيارة بيت الشيخ دعيج، كلما زار البحرين.
أما الذين عرفوا سمو الشيخ سلمان عن قرب، فلا يكادون يستشهدون بأحد، غيره، حين يتحدثون عن التواضع، فقد كان سموه، بسيطا في معيشته، بل اقرب إلى الزهد، كما يصفه أندرو ويتكروفت، في كتابه (حياة وعصر الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة)، وهو حين يتحدث عن تواضع سمو الشيخ سلمان، يستشهد بحادثتين عميقتي التأثير، والمعنى، مؤكدا أن الوقائع التي تروى عن الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة غالبا ما تتجاوز نطاق الحكايات.
كان سموه عائدا ذات مرة من بيته إلى المنامة، عندما تعطلت سيارته، فسأل احد مرافقيه أن يوقف أية سيارة تالية مارة، وقدر أن تكون هذه السيارة شاحنة صغيرة بالية، فحاول المرافق التدخل لإثناء الشيخ عن ركوب مثل هذه السيارة، غير أن الشيخ أصر على الركوب، وفعلا صعد سموه إلى جوار السائق المدهوش إلى حد الصدمة، إذ أصبحت سيارته البالية سيارة يركب فيها أمير البلاد.. ولم تكن السفرة مريحة، ولكن الشيخ سلمان نزل أخيرا، أمام بيته، وقال سموه بابتسامة ساخرة للمرافق الذي أصر على عدم لياقة الشاحنة بمقام الشيخ: (والآن، هل نزل قدر الشيخ سلمان عما كان عليه؟!).
ويروي السيد يوسف الشيراوي، والمصدر هنا، هو كتاب وتيكروفت -أن سمو الشيخ سلمان، وبعد أن قام بزيارة تفقدية للمستشفى الذي أنشأه عام 1957، أبدى إعجابه بالمعدات والخدمات والخبرات الممتازة، لكنه تحدث له بما ينم عن أسف شديد، مشفقا على الأمهات والأطفال، الذين يجدون كل هذه الرعاية، والظروف الصحية النقية، في المستشفى، ثم يعودون إلى القرى، حيث الفقر، والمرض.
(لقد كان سموه يهتم دائما بأبسط البحرينيين وأفقرهم) هكذا يعلق ويتكروفت، الذي التفت في كتابه عن سمو الشيخ سلمان، إلى أن سموه عبر عن حصافة بالغة، عندما تنبه إلى ضرورة الاهتمام بالصحة الوقائية، جنبا إلى جنب مع الصحة العلاجية، وفي وقت مبكر جدا، من الزمن، بحيث لم تكد تمضي سنوات على بدايات حكمه، حتى كانت البحرين تخلو من مختلف الأمراض السارية المعروفة في ذلك الوقت، مثل الكوليرا، والملاريا، وغيرها.. بل كانت البحرين، مركزا طبيا وعلاجيا، متقدما في الجزيرة العربية.بهذه الروح، وبهذه الشخصية الجديرة بالإعجاب، وبهذه العقلية الناهضة، استطاع سمو الشيخ سلمان، منفردا، إلى حد ما، أن يقيم أركان دولة حديثة، تتقدم بتسارع في مختلف مجالات الحياة، وتلحق بركب التنمية وتقنيات الحضارة.
وبهذه الفراسة والاستشراف، اللذين يدلان على عمق ملكة التحليل لدى سمو الشيخ، وجه سموه جل اهتمامه إلى جيل الشباب، فأحاط نفسه دائما -كما يعترف بيلجريف متذمرا- بكوكبة من الشباب البحريني الواعد، فهيأ سموه بذلك، للبحرين، جيلا من القادة.. الذين رافقوا نجليه: عيسى وخليفة، منذ البدء، ونهلوا من مدرسة الحكم الكثير.
وهكذا، كان سمو الشيخ سلمان، عندما انتقل إلى جوار ربه، قد أنجز بدايات النهضة البحرينية، ووضعها على أول طريق الحداثة فانتقل إلى الرفيق الأعلى، مطمئنا إلى أن البحرين، ستكمل المسيرة، إذ ستنتقل رايتها إلى الشابين اللذين أعدهما منذ البداية لحمل هذه الراية.
أما الشقيقان: عيسى وخليفة…. اللذين تعلما في مدرسة القائد، والوالد، والأمير، الحكمة، والصبر على المصيبة، فرغم أن عمر سمو الشيخ عيسى، لم يكن يتجاوز الثامنة والعشرين، بينما لا يزيد عمر سمو الشيخ خليفة عن 26 سنة…. رغم ذلك.
إلا أنهما تلقيا أمر الله، الذي لا راد له، بإيمان، وصبر، وحكمة… وتعاهدا لحمل هذه الأمانة الغالية، فكان هذا العهد من أعظم نعم الله على البحرين.
وعمت أرجاء البحرين دمعة حزن عميقة. وتدافعت فور إعلان النبأ الحزين جموع المواطنين إلى قصر سمو الشيخ سلمان لتودع أميرها الأمين ووالدها المحب وقائدها الملهم. كانت القلوب الحزينة المكلومة تحاول الصمود عبثا، ولكنها غالبت الصدمة لتقف إلى جانب سمو الشيخ عيسى وسمو الشيخ خليفة في المحنة العظيمة، فهذا أوان رد الجميل للرجل الذي حمل البحرين في قلبه الكبير. وحانت ساعة إيداع الراحل الكبير ثرى الأرض التي أحبها واخلص لها وتوفي وهو يجاهد من اجلها.
وسار موكب الجنازة المهيب يتقدمه سمو الشيخ عيسى بن سلمان وسمو الشيخ خليفة بن سلمان محفوفين بأعمامهما، وكبار شيوخ آل خليفة، وجموع البحرينيين الذين توافدوا من شرق البلاد وغربها. سار الموكب المهيب من قصر الرفاع إلى مقبرة الحنينية، وهناك وسد سمو الراحل الكبير الثرى إلى جانب والده رحمه الله.
وعلى مدى ثلاثة أيام كان الشقيقان سمو الشيخ عيسى وسمو الشيخ خليفة يتلقيان التعازي والمواساة في قصر الرفاع الذي أمته جموع المعزين من داخل البحرين وخارجها.
ومع آخر ساعات يوم السبت الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1961 كانت البحرين تودع عهدا وتستقبل عهداجديدا. كانت تحاول أن تغالب حزنا عميقا لتتهيأ لاستقبال عهد جديد وهي تنصب حاكمها الجديد، وابن حاكمها الراحل وتبايعه على السمع والطاعة والولاء ويبايعها على العهد الذي حمله من السلف من آل خليفة الذين عملوا على إقامة العدل وحفظ الأمانة وسطروا للبحرين صفحات مشرقة في سفر التاريخ.












روابط اجتماعية