ظاهرة الشقيقين

نوفمبر 2nd, 2009

.. التاريخ لا يرحم.. ولا يجامل

وهو حين يكشف كواليس الأحداث، التي شهدتها بيوت، وقصور الحكام، على امتداد الزمن، واتساع الأرض فانه غالبا ما يكشفها، وقد انغمست بالخلافات، والطموحات الشخصية التي انسحبت على معظم أشكال العلاقة، بين رجالات القمة، فلم تسلم من ذلك علاقات الأبوة، والأخوة، والزوجية.. وهكذا. هل هي ظاهرة؟.. التاريخ، يؤكد ذلك، بل يكاد يتعامل معها، بألفة، نظرا لتكرارها، شرقا وغربا، وفي مختلف الحضارات والممالك والدول، قديما وحاضرا.

نعم التاريخ لا يرحم.. ولا يجامل..

ولكنه يحتفي بالعظماء، والانقياء..

من هنا، يمكن أن نفهم، بل ننحاز إلى وصف الأستاذ يوسف الشيراوي -وزير الصناعة والنفط السابق – للعلاقة بين الشقيقين: سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، وسمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، بأنها «ظاهرة»، لما تميزت به، من ثقة متبادلة، وتكاملية عجيبة ، وتفاهم، وتناسق، وتناغم. عبر عنها جميعها، سمو الشيخ خليفة بن سلمان، حين قال عن شقيقه الراحل الكبير، انه «توأم الروح».

والحقيقة، أنني كنت تنبهت، إلى هذه «الظاهرة» الفريدة في كتابي «خليفة بن سلمان.. رجل وقيام دولة» الصادر عام 1996 ، وفي الفصل الرابع بالذات، والذي جعلت عنوانه” الشقيقان.

والحقيقة الثانية، أنني كنت أجد نفسي تتجه إلى دراسة وتحليل ظاهرة التناسق والتكامل هذه، بين الشقيقين: عيسى وخليفة.. لوضعها أمام التاريخ، ثم أمام الأجيال الحاضرة والقادمة . ذلك أن هذه الظاهرة لا تتوقف مميزاتها عند حد فرادتها، بل ولما أفرزته للبحرين من معطيات، ولما حققته لها: شعبا ودولة وكيانا.

وإذا ما عدنا إلى بواكير تشكيل البحرين، كيانا.. فسوف يأخذنا التاريخ إلى عام 1783، حين نجح احمد الفاتح، بطرد الفرس، وفتح البحرين، مكرسا فيها حكم آل خليفة .. وبعيدا عن المجاملة.. ومن وجهة نظر تاريخية متجردة، سنعترف أن ثمة اختلافات، أو خلافات سيطرت في مراحل معينة على وجهة العلاقة بين كبار أفراد العائلة الحاكمة: بين الآباء والأبناء، أو بين الأشقاء.

ولن نظلم التاريخ، وهو أيضا لن يظلم هؤلاء الرجال، الذين ساهموا بقدر أو بآخر، في تشكيل كيان البحرين .. فثمة طبائع إنسانية، متناقضة، وثمة أطماع خارجية، وثمة اجتهادات متفاوتة .. وكانت كل هذه، تتحالف فيما بينها، من اجل التأثير على الأحداث .. أما ما شهدناه وشهده تاريخ البحرين، من علاقة، بين الشقيقين: عيسى وخليفة، فلا شك أن إرادة المولى عز وجل، كانت تقدم في علمها خيرا كثيرا للبحرين ولشعبها وللمنطقة بأسرها، من خلال هذه العلاقة التي سنضعها هنا، مجالا للتحليل، والاسترشاد، وسنلقي من شرفاتها، نظرات فاحصة، على مسارات تاريخ البحرين، ومفاصله المرحلية، لنرى إلى أي حد كانت هذه العلاقة سندا لهذا الكيان، الذي كان وما يزال، محط أنظار العالم، بين طامع، أو مبارك.. أو معتبر.

لقد شدني كثيرا، ما كتبه الأستاذ يوسف الشيراوي، ونشرته صحيفة «الأيام» البحرينية في عددها الصادر بتاريخ 14 آذار/ مارس عام 1999 .. وجاءت كلماته العميقة، على قلبي بردا وسلاما، إذ كنت في خضم دراستي لهذه الظاهرة، خاصة وان الشيراوي، عاصر جانبا من فترة حكم المغفور له الشيخ سلمان بن حمد، قريبا ومقربا . وعاصر فترة حكم المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان، وزيرا، ومساعدا، وقريبا من موقع صنع القرار … يقول الشيراوي: «… لا يمكن أن تتم هذه الكلمة بحق المغفور له ولا يمكن إكمالها دون ذكر اسم شقيقه وصديقه وسنده صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، لان العلاقة بين هذين الشخصين تعتبر (ظاهرة) بحاجة مستقبلية إلى التحليل والدراسة . لقد سلم صاحب السفينة قيادة الدفة إلى أخيه، فمنحه الثقة التامة في إدارة البلاد. وقابل سمو الشيخ خليفة تلك الثقة المطلقة بتجرد مطلق وبأمانة مطلقة ووفاء منقطع النظير».

ويستمر الشيراوي، واصفا هذه العلاقة بين الشقيقين، فيقول: «.. وسوف يسجل التاريخ بتقدير وإكبار، بان هذه العزوة والثقة بين الاثنين، بقيت راسخة قوية، لم تتزعزع برغم كل العوامل الداخلية والخارجية، وعبء مسؤولية الحكم. عاش الاثنان ستين عاما من الاتصال اليومي الذي كاد أن يكون متواصلا . لقد انتقل الأول إلى جوار ربه، ولا يدري الإنسان ماذا يقول ليخفف من الألم ووجع الفقدان، لرجل مات والده بين يديه، ثم مات أخوه بين يديه، وهو جالس إلى قربهما . إن للخالق قضاءه وللتاريخ حكمه وحتميته. ولكن ليس من الإنصاف أن يتحمل أي شخص فاجعتين من هذا الحجم وهذه الضخامة في هذه الحياة».

وعندما تشرفت بلقاء صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء، لاستئذان سموه، في الشروع بإعداد هذا الكتاب، وطارحا بين يدي سموه فكرته الأساسية، قال سموه؛ «إن السنوات التي قضيناها -سمو الشيخ عيسى، وأنا – في خدمة الوطن، لا نراها -كلانا – سنوات صعبة.

فخدمة الوطن، كل سنوات العمر، وفداؤه بالروح، إذا اقتضى الأمر، ليس أمرا صعبا علينا.. وهذا أمر كان يشعر به سمو الأمير الراحل، واشعر به شخصيا، بل واثق أن كل بحريني يشاركني الإيمان به، عن صدق واقتناع تام، وإخلاص بلا حدود . وهي رحلة عمر من اجل الوطن… كثيرا ما كان يستعيد سمو الأمير الراحل أحداثها، ويرويها لي، من خلال ذكرياته، وكثيرا ما كنت احدث سموه عن بعض ذكرياتي خلالها، وبكثير من الاعتزاز .. ثم كنا نحمد الله على توفيقه لنا، وما أتاحه لنا من فرصة لخدمة هذه البلد الطيب، وشعبه الحبيب».

خلال تلك المقابلة، قلت لسموه: (أمام النفوس العظيمة تصغر الصعاب، وتهون العقبات الهائلة )… وهنا قال سمو الشيخ خليفة حفظه الله: «.. حسنا. طالما أن هدفك من هذا البحث، هو التوثيق لمرحلة معينة من تاريخ البحرين، فان الفائدة التي نرجوها من مثل هذا الجهد، هي الإسهام في تعريف الشباب بتاريخ بلدهم، بغرض استخلاص العبر والدروس منه، لتكون لهم سندا في انطلاقتهم، والقيام بدورهم نحو الوطن مستقبلا، ومهما كانت الانجازات التي أمكن تحقيقها كبيرة فان طموحانا للمستقبل اكبر، ورؤيتنا لهذا المستقبل يملؤها التفاؤل بتحقيق المزيد من الانجاز، وبما يكفل ترسيخ أساس قادر على التفاعل مع كل تحديات ومتغيرات الحياة . وسندنا في ذلك شباب هذا الوطن، الذي كثيرا ما أؤكد، انه ثروتنا الحقيقية، وذخرنا للمستقبل، بما يتمتع به من كفاءة ووعي وايجابية وطموح . ونثق بان على أكتافه وبجهده، سوف يتحقق للوطن المزيد المزيد، من التقدم والرفعة والنماء … وعليه، فلعل هذا المبحث يسهم بدور فيما نسعى إليه، ونوليه اهتمامنا، من تنوير وتوعية الشباب بتاريخ بلدهم العريق .. فإهمال استيعاب دروس الماضي هو اخطر تهديد للمستقبل».

لا بد للدارس، من أن يبدأ من تلك السنوات الأولى.. حيث كان سمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين (1942 – 1961 ) يعطي من لدنه، ما يكرس هذه الظاهرة .. ظاهرة الشقيقين عيسى وخليفة، في أوليات بواكيرها.

ثم لا بد، أن نساير السنوات، اللاحقة، لما كانت تحمله، أو تفرزه من ظروف واعتبارات ساهمت في تشكيل شخصيتي الشقيقين، بهذه الفرادة .. ثم سنجد أنفسنا، أمام تيارات سياسية . لم تتوقف تأثيراتها، عند حدود دولة، أو مرحلة معينة، بل انسحبت على المنطقة، وعلى تاريخها المشترك في الماضي والحاضر .. وسوف نترك للقارئ، أن يرى ويلمس بنفسه، كيف انعكست فرادة هذه الظاهرة، على البحرين وشعبها .. بل وعلى المنطقة بأسرها..

إنها سيرة حياة، حافلة بالكثير.. ومع كل وقفة، من وقفات هذه السيرة، ستسعفنا الذاكرات البحرينية الثرية، بالكثير من الشواهد، والحكايات التي تمتزج فيها الرسمية بالوجدانية والحميمية .. والطرافة.. وهي أيضا، سيرة بلد، وشعب، وأمة .. وسوف نتوقف عند أهم وابرز مفاصلها. فثمة الكثير من التساؤلات عن ادوار أناس ساهموا في صياغة هذه السيرة، ما تزال حاضرة.. وثمة للتاريخ أحكام، يجب أن يطلعها.

والتاريخ الذي نحن بصدد الإطلال على بعض مشاهده، سيعيدنا إلى يومين عزيزين، بهيجين، شهدهما بيت الحسرة : يوم 14 تموز/ يوليو عام 1933 ، عندما كانت البشرى تزف نفسها، لسمو الشيخ سلمان بن حمد، بمولد نجله البكر،عيسى.. ثم يوم 24 تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1936، عندما كان سمو الشيخ سلمان يستقبل ذلك الصباح، محملا ببشرى ثانية، هي مولد نجله الثاني خليفة.

لم يكن عيسى وخليفة، توأمان في الميلاد.. ولكنهما كانا، كما قال سمو الشيخ خليفة ( توأمي روح ) وذلك ما سوف تؤكده وتدعمه الشواهد.. فإلى ما يروي التاريخ…

التعليقات مغلقة
o